وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
« 1 » وفي مقام إبراهيم عليه السّلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها ، والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه كما في البخاري من حديث ابن عباس ، وهو الذي كان ملصقا بجدار الكعبة وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بإسناد صحيح ، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة .
وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لما طاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال له عمر هذا مقام إبراهيم ، قال نعم ، وأخرج نحوه ابن مردويه قال : كان أثر أصابع رجلي إبراهيم فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي ، وإنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله .
وقد روى البخاري في بدء قصة المقام أثرا طويلا عن ابن عباس وقد ورد في حديث الترمذي أن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اللّه نورهما « 2 » .
واختلفوا في قوله :
مُصَلًّى
فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء ، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقامه قبلة أمروا بالصلاة عنده ، وهذا هو الصحيح لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ولأن مصلى الرجل هو الموضع الذي يصلي فيه .
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
معنى عهدنا هنا أمرنا أو أوحينا ، وقيل ألزمنا وأوجبنا ، ومن أغرب ما نقل في تسمية إسماعيل أن إبراهيم كان يدعو اللّه أن يرزقه ولدا ويقول في دعائه اسمع يا إيل ، وإيل بلسان السريانية هو اللّه ، فلما رزق الولد سماه به وقيل هو اسم أعجمي ، وفيه لغتان اللام والنون ويجمع على سماعله وسماعيل وأساميع ، والمراد بالتطهير قيل من الأوثان قال ابن عباس ، وقيل من الآفات والريب وقول الزور والرجس ، قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة ، وقيل من الكفار ، وقيل من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث ، والظاهر أنه لا يختص بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله إما تناولا شموليا أو بدليا .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 147 ، 150 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في الحج باب 49 ، وأحمد في المسند 2 / 212 ، 214 .