والإضافة في قوله : « بيتي » للتشريف والتكريم ، والمراد بالبيت الكعبة ، والطائف الذي يطوف به أي الدائر حوله ، وقيل الغريب الطارىء على مكة والعاكف المقيم ، وأصل العكوف في اللغة اللزوم واللبث والإقبال على الشيء ، وقيل هو المجاور دون المقيم من أهلها ، والمراد بقوله :
الرُّكَّعِ السُّجُودِ
المصلون ، وخص هذين الركنين بالذكر لأنهما أشرف أركان الصلاة ، عن ابن عباس قال : إذا كان قائما فهو من الطائفين ، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين ، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود ، وعن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال : هم العاكفون .
وفي الآية مشروعية طهارة المكان للطواف والصلاة ، قال الرازي وألكيا الهراسي وفيها دلالة على أن الطواف للغرباء أفضل ، والصلاة للمقيم أمثل . ( قلت ) : ولم يظهر لي وجه ذلك ، قالا وفيها دلالة على جواز الصلاة في نفس الكعبة حيث قال ( بيتي ) خلافا لمالك ( قلت ) : وفيه أن الطواف لا يكون في نفس الكعبة ، قال الرازي : وفيها دلالة على أن الطواف قبل الصلاة ( قلت ) : وقد سبقه بذلك ابن عباس ، وفيها دلالة على جواز المجاورة بمكة لأن قوله :
وَالْعاكِفِينَ
يحتمله ، والسجود جمع ساجد نحو قاعد وقعود ، وهو مناسب لما قبله ، وقيل إنه مصدر نحو الدخول والقعود ، والمعنى ذوي السجود ، ذكره أبو البقاء والأول أولى ، ولتقارب الأخيرين ذاتا وزمانا ترك العاطف بينهما وجمع صفتين جمع سلامة وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة وهو نوع من الفصاحة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 126 إلى 127 ]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 127 )
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ
أي مكة وقيل الحرم
بَلَداً آمِناً
والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله عيشة راضية أي راض صاحبها أو الإسناد إلى المكان مجاز كما في ليل نائم أي نائم فيه ، قاله السعد التفتازاني ، وعلى هذا المراد أمن الملتجىء إليه فأسند إليه مبالغة ، وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها » « 1 » كما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث جابر وقد روي هذا المعنى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من طريق جماعة من الصحابة ، وثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إن اللّه حرم
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 458 ، 459 ، والبخاري في اللقطة باب 7 ، وأحمد في المسند 1 / 181 ، 185 ، 348 .