تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وظلمة ، وأنهم لا يصلحون لذلك ولا يقومون به ، ولا ينالهم عهد اللّه سبحانه ، وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحاله إمامة الكل ، وإن كانوا على الحق ، عن قتادة قال هذا عند اللّه يوم القيامة لا ينال عهده ظالما ، فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وغادوهم وناكحوهم ، فلما كان يوم القيامة قصر اللّه عهده وكرامته على أوليائه ، وعن مجاهد قال لا أجعل إماما ظالما يقتدى به ، وعن ابن عباس قال يخبره أنه إن كان في ذريته ظالما لا ينال عهده ولا ينبغي له أن يوليه شيئا من أمره ، والنيل الإدراك وهو العطاء ، والذرية مأخوذة من الذر ، لأن اللّه أخرج الخلق من ظهر آدم عليه السّلام حين أشهدهم على أنفسهم كالذر ، وقيل مأخوذ من ذرأ اللّه الخلق يذرؤهم إذا خلقهم ، وفي الكتاب العزيز
فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ
[ الكهف : 45 ] وقال الخليل : إنما سموا ذرية لأن اللّه تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزراع البذر ، قال ابن عباس : يؤخذ من هذا إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك . واختلف في المراد بالعهد فقيل الإمامة وقيل النبوة وقيل عهد اللّه أمره وقيل الأمان من عذاب الآخرة ورجحه الزجاج ، والأول أظهر كما يفيده السياق . وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالما ويمكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما يفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتبارا بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق ، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور الدينية . وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد اللّه بالإمامة ظالما ففيها إعلام من اللّه لإبراهيم الخليل أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه ، انتهى ، ولا يخفاك أنه لا جدوى لكلامه هذا فالأولى أن يقال إن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا الشرع ظالما ، وإنما قلنا إنه في معنى الأمر لأن إخباره تعالى لا يجوز أن يتخلف ، وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثير من الظالمين .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 125 ]

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( 125 )
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ
أي لأجلهم أو لأجل مناسكهم ، والبيت هو الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا ، ويدخل فيه جميع الحرم لوصفه بكونه آمنا كما سيأتي ، ومثابة مصدر من ثاب يثوب مثابا ومثابة أي مرجعا يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه ، وقيل المثابة من الثواب أي يثابون هنالك قال مجاهد المراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم ، قال الأخفش ودخلت الهاء لكثرة من يثوب إليه كعلامة ونسابة ،