تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
إنه يصار إلى العموم ، ويقال تلك الكلمات هي جميع ما ذكر ههنا ، فإن هذا يستلزم تفسير كلام اللّه بالضعيف والمتناقض وما لا تقوم به الحجة ، وعلى هذا فيكون قوله :
إِنِّي جاعِلُكَ
مستأنفا كأنه قيل ما ذا قال له . وقال ابن جرير ما حاصله : أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك وجائز أن يكون بعض ذلك ، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له ، ثم قال : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب ، يعني أن الكلمات هي قوله :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
وقوله :
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ
وما بعده ، ورجح ابن كثير « 1 » أنها تشمل جميع ما ذكر وفيه بعد .
فَأَتَمَّهُنَّ
أي قام بهن أتم قيام ، وامتثل أكمل امتثال ، واختلف هل كان هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها فقيل بالأول بدليل السياق فإنه يدل على أن قيامه عليه السّلام بهن كالسبب لأن يجعله اللّه إماما ، والسبب يتقدم على المسبب ، وقيل بالثاني لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة الوحي الإلهي ، وذلك بعد النبوة ، وقيل إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس كان ذلك قبل النبوة ، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك بعد النبوة .
قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ
أي لأجلهم
إِماماً
يقتدي بدينك وهديك وسنتك ، والإمام هو الذي يؤتم به ، ومنه قيل للطريق إمام وللبناء إمام لأنه يؤتم بذلك أي يهتدي به السالك ، والإمام لما كان هو القدوة للناس لكونهم يأتمون به ويهتدون بهديه أطلق عليه هذا اللفظ إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأمورا باتباعه في الجملة ، وإبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا ، فأما اليهود والنصارى فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه ، وأنهم من أولاده ، وأما العرب في الجاهلية فإنهم أيضا يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به لأنهم من أولاده ، ومن ساكني حرمه ، وخدام بيته ، ولما جاء الإسلام زاده اللّه شرفا وفضلا ، فحكى اللّه عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين والنصارى واليهود قبول قول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه ، لأن ما أوجبه اللّه على إبراهيم هو من خصائص دين محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في وجوب الانقياد لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان به وتصديقه .
قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم أي واجعل من بعض ذريتي أئمة ، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم لقصد الاستفهام وإن لم يكن بصيغته أي ومن ذريتي ما ذا يكون يا رب ، فأخبره أن فيهم عصاة
هامش
( 1 ) انظر تفسير ابن كثير 1 / 166 .