[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 124 ]
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 )
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لبني إسرائيل والابتلاء الاختبار والامتحان أي ابتلاه بما أمره به وهو استعارة تبعية واقعة على طريق التمثيل ، أي فعل معه فعلا مثل فعل المختبر ، والغرض من هذا التذكير توبيخ أهل الملل المخالفين ، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديما وحديثا ، فحكى اللّه عن إبراهيم أمورا توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأن ما أوجبه اللّه على إبراهيم جاء به محمد ، وفي ذلك حجة عليهم .
وإبراهيم اسم أعجمي معناه في السريانية أب رحيم كذا قال الماوردي ، قال ابن عطية : ومعناه في العربية ذلك ، قال السهيلي : وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي ، وفيه لغات ، وكان مولد إبراهيم بالسوس من أرض الأهواز ، وقيل ببابل ، وقيل بكوثى ، وهي قرية من سواد الكوفة ، وقيل بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي أرض نمروذ الجبار .
وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالا في رجوع الضمير إلى إبراهيم مع كون رتبته التأخير ، وأجاب عنه بأنه قد تقدم لفظا فرجع إليه ، والأمر في هذا أوضح من أن يشتغل بذكره أو ترد في مثله الأسئلة أو يسود وجه القرطاس بإيضاحه .
وقد اختلف العلماء في تعيين الكلمات فقيل هي شرائع الإسلام وقيل ذبح ابنه وقيل أداء الرسالة وقيل هي خصال الفطرة ، وقيل قوله :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
وقيل الطهارة ، قال الزجاج : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم انتهى ، وظاهر النظم القرآني أن الكلمات هي قوله :
إِنِّي جاعِلُكَ
وما بعده ويكون ذلك بيانا للكلمات ، وجاء عن بعض السلف ما يوافق ذلك وعن آخرين ما يخالفه ، والحق أنه إذا لم يصح شيء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا جاءنا من طريق تقوم بها الحجة في تعيين تلك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول إنها ما ذكره اللّه سبحانه في كتابه قال :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
ويكون ذلك بيانا للكلمات ، أو السكوت وإحالة العلم في ذلك على اللّه سبحانه .
وأما ما روي عن ابن عباس ونحوه من الصحابة ومن بعدهم في تعيينها فهو أولا أقوال الصحابة ولا تقوم بها الحجة فضلا عن أقوال من بعدهم ، وعلى تقدير أنه لا مجال للاجتهاد في ذلك وأن له حكم الرفع فقد اختلفوا في التعيين اختلافا يمنع معه العمل ببعض ما روي عنهم دون البعض الآخر ، بل اختلفت الروايات عن الواحد منهم كما روي عن ابن عباس فكيف يجوز العمل بذلك ، وبهذا تعرف ضعف قول من قال :