وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
قد مر مثل هذا في صدر السورة وقد تقدم تفسيره وهذا من العام الذي يراد به الخاص كقوله تعالى :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
[ سبأ : 23 ] ومعنى الآية ولا تنفعها شفاعة إذا وجب عليها العذاب ولم تستحق سواه ، وقيل : إنه رد على اليهود في قولهم إن آباءنا يشفعون لنا ، ووجه التكرار الحث على اتباع الرسول النبي الأمي ، ذكر معناه ابن كثير في تفسيره وقيل للتوكيد وتذكير النعم ، وفيه عظة لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقال البقاعي في تفسيره : أنه لما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم ، وختم ذلك بالترهيب لتضييع أديانهم بأعمالهم وأحوالهم وأقوالهم ، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم ، يوم يجمع الأمم ، ويدوم فيه الندم ، لمن زلت به القدم ، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات الحث على انتهاز الفرصة انتهى .
وأقول : ليس هذا بشيء ، فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول المدى ، وأنه أعاد ما صدر به قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار ، والأحق بإعادة الذكر هو قوله سبحانه :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ
[ البقرة : 40 ] فإن هذه الآية مع كونها أول الكلام معهم والخطاب لهم في هذه السورة ، هي أيضا أولى بأن تعاد وتكرر لما فيها من الأمر بذكر النعم والوفاء بالعهد ، والرهبة للّه سبحانه ، وبهذا تعرف صحة ما قدمناه لك عند أن شرع اللّه سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه السورة فراجعه .
ثم حكى البقاعي بعد كلامه السابق عن الحراني أنه قال : كرره تعالى إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله ليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلا لما يمكن بأن يرد من نحوه في سائر القرآن ، حتى كان الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعا لطرفي الثناء ، وفي تفهمه جامعا لمعاني طرفي المعنى انتهى .
وأقول : لو كان هذا سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك ، وأما قوله وليتخذ ذلك أصلا لما يرد من التكرار في سائر القرآن ، فمعلوم أن حصول هذا الأمر في الأذهان وتقرره في الأفهام لا يختص بتكرار آية معينة يكون افتتاح هذا المقصد بها ، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما ، وللّه الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام ولا تدركها العقول ، فليس في تكلف هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر .