تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
القلوب وتنصدع منه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج اللّه سبحانه ، والقائمين ببيان شرائعه ، ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء التاركين للعمل بالكتاب والسنة ، المؤثرين لمحض الرأي عليهما فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولا وأبان من أخلاقه لينا لا يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله ، والوقوع في حبائله ، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه اللّه من العلم ما يستفيد به أن هدى اللّه هو ما في كتابه وسنة رسوله ، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة وجهالة بينة ، ورأي منهار ، وتقليد على شفا جرف هار ، فهو إذ ذاك ما له من اللّه من ولي ولا نصير ، ومن كان كذلك فهو لا محالة مخذول وهالك بلا شك وشبهة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 121 إلى 123 ]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 121 ) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 122 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 )
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
هم اليهود والنصارى قاله قتادة وقيل هم المسلمون ، والكتاب هو القرآن وقيل من أسلم من أهل الكتاب ، وقال ابن عباس : نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب ، وكانوا أربعين رجلا ثمانية من رهبان الشام منهم بحيرى الراهب والباقي من الحبشة وقيل هم المؤمنون عامة
يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ
أي يقرؤونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرفونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل المراد بالتلاوة أنهم يعملون بما فيه فيحللون حلاله ويحرمون حرامه ، فكيون من تلاه يتلوه إذا اتبعه أي يتبعونه حق اتباعه ، ومنه قوله تعالى :
وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها
[ الشمس : 2 ] أي اتبعها قاله ابن عباس ، وقال عمر بن الخطاب : يعني إذ مر بذكر الجنة يسأل الجنة وإذا مر بذكر النار تعوذ من النار ، وقال زيد بن أسلم : يتكلمون به كما أنزل ولا يكتمونه ، عن قتادة قال : هم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعن الحسن قال : يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه ، وقيل يتدبرونه حق تدبره ويتفكرون في معانيه وحقائقه وأسراره .
أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
أي يصدقون به ، فإن كانت الآية في أهل الكتاب فالمعنى أن المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأن في التوراة نعته وصفته ، وإن كانت في المؤمنين عامة فالمعنى ظاهر
وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ
أي يجحد ما فيه من فرائض اللّه ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا الكفر بالإيمان .
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ