إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم ، وقرأ نافع ولا تسأل بالجزم ، والمعنى ولا يصدر منك السؤال عن هؤلاء وعمن مات منهم على كفره ومعصيته تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه ، أي إن هذا أمر فظيع وخطب شنيع ، يتعاظم المتكلم أن يجري على لسانه ، ويتعاظم السمع أن يسمعه وفي القاموس الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض ، والجحيم ما عظم من النار ، قاله أبو مالك ، والمعنى لا تسأل عن حالهم التي تكون لهم في القيامة فإنها شنيعة ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها وهذا فيه تخويف لهم وتسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم .
وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليت شعري ما فعل أبواي » فنزلت هذه الآية فما ذكرهما حتى توفاه اللّه ، قال السيوطي هذا مرسل ضعيف الإسناد ثم رواه من طريق ابن جرير عن داود بن أبي عاصم مرفوعا وقال هو معضل الإسناد لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة .
وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ
أي ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات ، ويوردونه من التعنتات ، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك حتى تدخل في دينهم وتتبع ملتهم ، والملة اسم لما شرعه اللّه لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه وهكذا الشريعة ، وقال ابن عباس : هذا في أمر القبلة أيسوا منه أن يوافقهم عليها ، والرضا ضد الغضب وهو من ذوات الواو لقولهم الراضون
قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ
أي الإسلام
هُوَ الْهُدى
الحقيقي لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة .
ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال :
وَلَئِنِ
هذه تسمى اللام الموطئة للقسم وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط ، وأكثر مجيئها مع إن ، وقد تأتي مع غيرها نحو
لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ
[ آل عمران : 81 ]
لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
[ الأعراف : 18 ]
اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
أي أهواء اليهود والنصارى
بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
أي البيان بأن دين اللّه هو الإسلام ، وأن القبلة هي قبلة إبراهيم وهي الكعبة ، ويحتمل أن يكون تعريضا لأمته وتحذيرا لهم أن يواقعوا شيئا من ذلك ، أو يدخلوا في أهواء أهل الملل ويطلبوا رضا أهل البدع ، أخرج الثعلبي عن ابن عباس قال : إن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قبلتهم ، فلما صرف اللّه القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم ، فأنزل اللّه هذه الآية .
وجواب القسم قوله :
ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ
يلي أمرك ويقوم بك
وَلا نَصِيرٍ
ينصرك ويمنعك من عقابه ، وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له