تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
القطع والكتاب مقطوع به ، وذهب جماعة من متأخري الحنفية إلى جواز نسخ القرآن بالخبر المشهور ، وقال في جمع الجوامع أن نسخ القرآن بالآحاد جائز غير واقع ، وقال أبو بكر الباقلاني والغزالي وأبو عبد اللّه البصري أنه جائز في عصره صلّى اللّه عليه وسلّم لا بعده ، وذهب جمع من الظاهرية إلى جوازه ووقوعه . وأقول : إن النزاع إن كان في قطعية المتن فلا شك أن القرآن كذلك وما صح من آحاد السنة ليس بقطع ، وإن النزاع في الدلالة فإن كان القرآن المنسوخ عموما أو محتملا فدلالته ظنية كدلالة ما صح من الآحاد ، والذي يصلح أن يكون محلا للنزاع هنا هو الثاني لا الأول ، على أنه قد وقع نسخ القطعي بالظني فإن استقبال بيت المقدس ثبت ثبوتا قطيعا متواترا ، ثم إن أهل قباء استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة بخبر واحد ، ولم ينكر عليهم ذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذلك ثبت نسخ الوصية للوالدين والأقربين بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا وصية لوارث » « 1 » وكذلك نسخ قوله تعالى :
لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ
[ الأحزاب : 52 ] بقول عائشة رضي اللّه تعالى عنها : ما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى أحل اللّه له أن يتزوج من النساء ما يشاء « 2 » ، ونسخ قوله تعالى :
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
[ الأنعام : 145 ] الآية بنهيه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكل كل ذي ناب ، والكلام في هذا يطول ومحله مطولات كتب الأصول ، فإن استيفاء الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى رسالة مستقلة واللّه أعلم . وعدة الآيات المنسوخات قد بلغها بعضهم إلى خمسمائة آية لكن قال الشيخ أحمد ولي اللّه الدهلوي وعلى ما حررنا لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات انتهى ، وعندي أن في هذه الخمس نظرا أيضا كما بينه في دليل الطالب . وأما الأحاديث المنسوخة فعدتها عند ابن الجوزي أحد وعشرون حديثا ، وعند الحافظ ابن القيم أقل من عشرة أحاديث كما أفاد في أعلام الموقعين ، وقال النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها انتهى . وقال الزرقاني في شرح الموطأ : مذهب المحدثين والأصوليين والفقهاء أنه متى أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع انتهى ، وفي الدراسات لمحمد معين : قد تكلمت على بطلان النسخ الاجتهادي في أجزاء مفردة سميتها غاية الفسخ لمسألة
هامش
( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد مختلفة ، أخرجه البخاري في الوصايا باب 6 ، وأبو داود في الوصايا باب 6 ، والبيوع باب 88 ، والترمذي في الوصايا باب 5 ، والنسائي في الوصايا باب 5 ، وابن ماجة في الوصايا باب 6 ، والدارمي في الوصايا باب 28 ، وأحمد في المسند 4 / 186 ، 187 ، 238 ، 239 ، 5 / 267 . ( 2 ) أخرجه الدارمي في النكاح باب 44 .