قسمين عند أهل اللغة أحدهما إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله ، وهو معنى قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
وفي صحيح مسلم « لم تكن نبوة قط إلا تناسخت » « 1 » أي تحولت من حال إلى حال ( والثاني ) إزالة الشيء دون أن يقوم مقامه آخر كقولهم نسخت الريح الأثر ، ومن هذا المعنى فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان أي يزيله ، وروي عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فكانت تنزل عليه السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب ومنه ما روي عن أبيّ وعائشة أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول .
قال ابن فارس النسخ الكتاب والنسخ أن يزيل أمرا أكان من قبل يعمل به ثم ينسخه بحادث غيره كالآية تنزل بأمر ثم تنسخ بأخرى وكل شيء خلف شيئا فقد انتسخه ، يقال نسخ الشيب الشباب ، وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة ، وأصل الميراث قائم وكذا تناسخ الأزمنة والقرون .
وقال ابن جرير : معنى ما ننسخ ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره ، وذلك أن يحول الحلال حراما والحرام حلالا والمباح محظورا والمحظور مباحا ، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة ، فأما الإخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب وهو نقله من نسخة إلى أخرى فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره ، وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتي حالتيها منسوخة انتهى .
وقد جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جملة مقاصد ذلك الفن فلا نطول بذكره بل نحيل من أراد الاستيفاء عليه على كتابنا [ حصول المأمول من علم الأصول ] فليرجع إليه ، وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفا وخلفا وهو جائز عقلا وواقع سمعا ، ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتد بخلافه ولا يؤبه بقوله ، وقد اشتهر عن اليهود أقمأهم اللّه إنكاره وهم محجوجون بما في التوراة فإن اللّه قال لنوح عليه السّلام عند خروجه من السفينة إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك وأطلعت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه ، ثم قد حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيرا من الحيوان .
وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج الأخ من الأخت وقد حرم اللّه ذلك على موسى عليه السّلام وعلى غيره ، وثبت فيها أن إبراهيم عليه السّلام أمر بذبح ابنه ثم قال اللّه له لا تذبحه وأن موسى عليه السّلام أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم ، وحرم عليهم العمل يوم السبت ولم يحرمه على
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد حديث 14 ، وأحمد في المسند 4 / 174 .