بصحيح ، والحق جواز نسخ الكتاب بالسنة ، والكلام في هذا معروف في أصول الفقه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ]
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 )
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
هذه الآية تفيد أن النسخ من مقدوراته وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية والخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمراد هو وأمته وفيه دليل على جواز النسخ والاستفهام للتقرير وهكذا قوله :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ البقرة : 107 ] أي له التصرف فيهما بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته ، فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها ، وشرعها لهم ، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص ، وهذا وإن كان خطابا للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لكنه فيه تكذيب لليهود المنكرين للنسخ .
وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
بينهما عموم وخصوص من وجه فإن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبيا عن المنصور ، وفيه إشارة إلى تعلق الخطابين السابقين بالأمة أيضا ، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره ولا نصير سواه ، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال .
وقد ذهب جمهور أهل الأصول إلى جواز نسخ القرآن بالنسبة المتواترة ، وخالف في ذلك الشافعي وتابعه على ذلك طائفة ، واختلف المانعون فمنهم من منعه عقلا كالحرث المحاسبي وعبد اللّه بن سعيد القلانسي ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل ، ومنهم من منعه سمعا كالشيخ أبي حامد الأسفراييني ، احتج الجمهور بأن التكليف بمتواتر السنة كالتكليف بالآية القرآنية وبأن ذلك قد وقع في هذه الشريعة المطهرة ، واحتج الآخرون بقوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
وتقرير الدلالة من وجهين .
أحدهما : أن ما ينسخ به القرآن يجب أن يكون خيرا أو مثلا ، والسنة ليست كذلك .
ثانيهما : أنه قال :
نَأْتِ
والضمير للّه سبحانه ، فيجب أن لا ينسخ إلا بما يأتي به اللّه وهو القرآن .
وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد بقوله :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
أي بحكم خير منها أو مثلها في حق المكلف باعتبار الثواب وهذا صحيح ، ولا يخالفه الضمير في قوله :
نَأْتِ
فإن القرآن والسنة جميعا من عند اللّه سبحانه ، قال اللّه تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 ، 4 ] والكلام في المسألة طويل وهو مدون في الأصول بما لا يتسع المقام لبسطه ، فالحق الجواز .
وأما نسخ الكتاب بما صح من آحاد السنة فقد منعه الجمهور لأن الآحاد لا تفيد