من كان قبلهم ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم ، والقرآن الكريم نسخ جميع الشرائع والكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما ، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعا ، وإنساؤها إذهابها من القلوب .
أَوْ نُنْسِها
بفتح النون والسين والهمز ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن النسخ من قولهم نسأت هذا الأمر إذا أخرته ، قال ابن فارس ويقولون نسأ اللّه في أجلك وأنسأ اللّه أجلك ، وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا أي أخرتهم ، وقيل معناه نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في أم الكتاب فلا يكون ، وقيل نذهبها عنكم لا تقرأ ولا تذكر ، وقرىء ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها .
ومنه قوله تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب ، وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها يقال أنسيته الشيء أي أمرته بتركه ونسيته تركته ، وقال الزجاج أن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال أنسى بمعنى ترك ، قال وما روي عن ابن عباس أو ننسها أي نتركها لا نبدلها فلا يصح .
والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسي إذا ترك ثم تعديه ، وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس « أن اللّه أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا » « 1 » ثم نسخ ، وهكذا ثبت في مسلم وغيره عن أبي موسى قال : « كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة براءة فأنسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ، ولا يملأ جوفه إلا التراب » « 2 » وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات أولها سبح للّه ما في السماوات فأنسيناها غير أني حفظت منها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ] فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم القيامة ، وقد روي مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر .
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
أي نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل أو في أحدهما أو بما هو مماثل لها من غير زيادة ، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ فقد يكون الناسخ أخف فيكون أنفع لهم في العاجل ، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع في الآجل ، وقد يستويان فتحصل المماثلة ، وقال الشافعي الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة وتابعه على ذلك طائفة ، واستدل بهذه الآية وليس
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الجهاد باب 184 .
( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 10 ، ومسلم في الزكاة حديث 116 ، 119 .