فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا
والعفو ترك المؤاخذة بالذنب والصفح إزالة أثره من النفس ، صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه ، وقيل هما متقاربان ، والعطف على هذا للتأكيد وحسنه تغاير اللفظين ، وفيه الترغيب في ذلك والإرشاد إليه ، وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال قاله أبو عبيدة
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
أي افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من اللّه سبحانه في شأنهم بما يختاره ويشاؤه وما قد قضى به في سابق علمه وهو قتل من قتل منهم وإجلاء من أجلى وضرب الجزية على من ضربت عليه ، والسّلام على من أسلم
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فيه وعيد وتهديد لهم عظيم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 110 إلى 111 ]
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 110 ) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 111 )
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ
حث من اللّه سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن اللّه لهم وينصرهم على المخالفين لهم
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ
يعني ثوابه وأجره حتى التمرة واللقمة مثل أحد
إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
لا يخفى عليه شيء من قليل الأعمال وكثيرها وفيه ترغيب في الطاعات وأعمال البر ، وزجر عن المعاصي .
وَقالُوا
أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
قال الفراء : يجوز أن يكون هودا بمعنى يهوديا أن يكون جمع هائد ، والنصارى جمع نصران أو نصري والمراد يهود المدينة ونصارى نجران وقدمت اليهود على النصارى لفظا لتقدمهم زمانا ، قيل في هذا الكلام حذف وأصله وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا هكذا قال كثير من المفسرين وسبقهم إلى ذلك بعض السلف ، وظاهر النظم القرآني أن طائفتي اليهود والنصارى وقع منهم هذا القول وأنهم يختصون بذلك دون غيرهم ، ووجه القول بأن في الكلام حذفا ما هو معلوم من أن كل طائفة من هاتين الطائفتين تضلل الأخرى ، وتنفي عنها إنها على شيء من الدين فضلا عن دخول الجنة كما في هذا الموضع فإنه قد حكى اللّه عن اليهود أنها قالت :
لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ
[ البقرة : 113 ] .
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ
أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على اللّه بغير حق ، والأماني جمع أمينة قد تقدم تفسيرها ، والإشارة بقوله تلك إلى ما تقدم لهم من الأماني التي