النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك اللفظ وخاطبوه بما أمرتم به ، ولا تخاطبوه بما يسر اليهود ، بل تخيروا لخطابه صلّى اللّه عليه وسلّم من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أدقها ، ويحتمل أن يكون معناه اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع حتى يحصل لكم المطلوب بدون طلب للمراعة .
قال ابن جرير : والصواب من القول عندنا في ذلك أن اللّه نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم راعنا لأنها كلمة كرهها اللّه أن يقولوها لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم نظير الذي ذكر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي » « 1 » وما أشبه ذلك ، ثم توعد اليهود بقوله :
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ
ويحتمل أن يكون وعيدا شاملا لجنس الكفرة .
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ
فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودون إنزال الخير عليهم من اللّه سبحانه ، وقد قيل بأن الخير الوحي وقيل غير ذلك والظاهر أنهم لا يودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان فهو لا يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي ، وتأكيد العموم بدخول « من » المزيدة عليها وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا يوجب التخصيص .
وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ
أي يميز
مَنْ يَشاءُ
تمييزه والرحمة قيل هي القرآن والإسلام ، وقيل النبوة وقيل جنس الرحمة من غير تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ضميره تعالى :
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فكيف لا يودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده وكل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه منه ابتداء وتفضلا عليهم من غير استحقاق أحد منهم لذلك ، بل له الفضل والمنة على خلقه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 106 ]
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 106 )
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
كلام مستأنف قاله أبو السعود ، وقال البهنسي لم يعطف لشدة ارتباطه بما قبله ، والنسخ في كلام العرب على وجهين .
أحدهما : النقل كنقل كتاب من آخر ، وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخا أعني من اللوح المحفوظ ، ولا مدخل لهذا المعنى في هذه الآية ومنه
إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
[ الجاثية : 29 ] أي نأمر بنسخه .
الثاني : الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا ، وهذا القسم الثاني ينقسم إلى
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الألفاظ حديث 10 ، والدارمي في الاستئذان باب 64 ، في الترجمة ، وأحمد في المسند 2 / 272 ، 316 ، 509 .