تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
تعلم السحر إن فرض فشوه في صقع وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق ، وهو لا ينافي إطلاق القول بالتحريم فاعرفه ، انتهى . قلت أخرج البزار ( بإسناد صحيح والحاكم وصححه عن ابن مسعود ) « من أتى كاهنا أو ساحرا وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد » وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ، ومن عقد عقدة ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد » وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من تعلم شيئا من السحر قليلا أو كثيرا كان آخر عهده من اللّه » . وفي قولهما
فَلا تَكْفُرْ
أبلغ إنذار وأعظم تحذير أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافرا فلا تكفر ، وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر ، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد ، وبين من تعلمه ليكون ساحرا ، ومن تعلمه ليقدر على دفعه ، وبه قال أحمد .
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما
يعني من الملكين
ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ
أي سحرا سببا في التفريق بينهما كالتمويه والتخييل والنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث اللّه عنده البغضاء والنشوز والخلاف بين الزوجين ابتلاء من اللّه تعالى ، وفي إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سببا لذلك دليل على أن للسحر تأثيرا في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد ، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر اللّه به من التفرقة ، لأن اللّه ذكر ذلك في معرض الذم للسحر وبين ما هو الغاية في تعليمه ، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره ، وقالت طائفة أخرى أن ذلك خرج مخرج الأغلب وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه ، وقيل ليس للسحر تأثيرا في نفسه أصلا لقوله تعالى :
وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
والحق أنه لا تنافي بين القولين المذكورين ، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثير في نفسه وحقيقة ثاتبة ، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة كما تقدم وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال .
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ
يعني السحر لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجر إلى العلم غالبا ، وفيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض ، وخسران صرف ، وشر بحت ، قال أبو السعود فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية ، وإن قال من قال :
عرفت الشر لا للشر * ولكن لتوقيه
ومن لا يعرف الشر * من الناس يقع فيه
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 172 | صديق الحسيني القنوجي البخاري