تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
( قلت : والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال إنه محكي عن اليهود ، ولعله من رموز الأولين ، ذكره الخطيب ) . وكذا أهل الكلام طعنوا في هذه القصة وعدوها من المحالات لمسخ الإنسان كوكبا كما بينوه في كتبهم . وحاول البيضاوي التوفيق بأنها تمثيلات كقصة أبسال وسلامان وحرير مقطان وغير ذلك مما وضعه المتقدمون والمتأخرون إشارة إلى أن القوى لو ركبت في تلك لعصت . وأسماء اللّه ومناجاته تلحق السفلي بالعلوي ونحوه . هذا ؛ وقد أطنب الشيخ ابن حجر المكي في جواب الرازي واستبعاده لهذه القصة في كتابه الزواجر بما لا مزيد عليه . وقال القرطبي بعد سياق بعض تلك ، قلنا هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء ؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء اللّه على وحيه ؛ وسفراؤه إلى رسله
لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
[ التحريم : 6 ] ثم ذكر ما معناه أن العقل يجوز وقوع ذلك منهم لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح انتهى . وأقول هذا مجرد استبعاد وقد ورد الكتاب العزيز في هذا الموضع تراه ولا وجه لإخراجه عن ظاهره بهذه التكلفات ؛ وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك ؛ فعلى فرض وجود هذه الأصول فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة ، ولا وجه لمنع التخصيص ، وقد كان إبليس بتلك المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين .
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ
أي هاروت وماروت أو الرجلان والأول أولى ؛ قال الزجاج تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه ؛ قال وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر ؛ ومعناه أنهما يعلمان على النهي فيقولان لهم لا تفعلوا كذا ، وقد قيل إن قوله
يُعَلِّمانِ
من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم كما حكاه ابن الأنباري وابن الأعرابي وهو كثير في أشعارهم
حَتَّى يَقُولا
أي إلا أن ينصحاه أولا أو أن يقولا .
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
هو على ظاهره أي ابتلاء واختبار من اللّه لعباده ومحنة ، وقيل إنه استهزاء منهما لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحقق ضلاله والأول أولى ، والمعنى إنما نحن ابتلاء فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ، ومن توقى عن العلم به واتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان ، فلا تكفر باعتقاد حقيته وجواز العمل به قاله أبو السعود . قال الخفاجي : وفيه إشارة إلى أن الاجتناب واجب احتياطا وكما لا يحرم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبهة وإن كان أغلب أحواله التحريم ، كذلك
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 171 | صديق الحسيني القنوجي البخاري