تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت والآخر ماروت ، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس وردا عليهم انتهى ، يعني أنه بدل من الناس أي يعلمان الناس خصوصا هاروت وماروت . وقال القرطبي في تفسيره بعد أن حكى معنى هذا الكلام ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين ما لفظه : هذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ما قيل فيها ، ولا يلتفت إلى سواه ، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الانس النساء وخاصة في حال طمثهن ، قال اللّه :
وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ
[ الفلق : 4 ] . ثم قال : إن قيل كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه ! ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع أو أنهما خصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما ، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن « الملكين » بكسر اللام ، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده وظهور تكلفه تنزيه اللّه سبحانه أن ينزل السحر إلى أرضه فتنة لعباده على ألسن ملائكته ، وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر ، فإن للّه سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت ، ولهذا يقول الملكان :
إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ
ويؤيده ما قال أبو السعود أن مقام وصف الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصف رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلام ، فإن الإبدال في حكم تنحية المبدل منه . وقال هاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما ، وقرىء بالرفع على هما هاروت وماروت انتهى المراد منه . قال ابن جرير : وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان ، وكان عبد الرحمن بن أبزى يقرؤها « وما أنزل على الملكين داود وسليمان » وقال الضحاك هما علجان من أهل بابل ، وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان وهما سريانيان ، ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارية وموارية ، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما ، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا . أخرج البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدام يعصون فقالت يا رب ما أجهل هؤلاء وما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك فقال اللّه لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني ، قالوا كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، قال اختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت ، ثم اهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم ، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعها المعصية ، فقال اللّه اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 169 | صديق الحسيني القنوجي البخاري