وقد اختلف هل له حقيقة أم لا فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا أصل له ولا حقيقة ، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة ، وقد صح أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سحر ، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه ثم شفاه اللّه سبحانه « 1 » ، والكلام في ذلك يطول ، وعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم السحر من الكبائر وثناه بالشرك « 2 » كما في الصحيحين .
وَ
أي ويعلمون الناس
ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
فهو معطوف على السحر ، والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو هو نوع أقوى منه ، أو على ما تتلو وما بينهما اعتراض أي واتبعوا ما أنزل الخ قال السدي هذا سحر آخر خاصموه به فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الانس فصنع وعمل به كان سحرا
بِبابِلَ
أي في بابل وهو اسم أرض أو بلد في سواد العراق أو أرض الكوفة ، قاله ابن مسعود وقيل جبل دماويد ، وقيل نهاوند ، وقيل نصيبين ، وقيل المغرب ومنع الصرف للعجمة والعلمية أو للتأنيث والعلمية ، سميت بذلك لتبلبل ألسنة الخلائق بها ، والبلبلة التفرقة ، وقيل إن « ما » في قوله :
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
نافية ، والواو عاطفة على قوله :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير :
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
ببابل .
هارُوتَ وَمارُوتَ
فهاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد والنصب في قوله :
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
ذكر ابن جرير ، وأما على قراءة التخفيف والرفع فهو منصوب على الذم وهو بدل بعض ، ومن فسرهما بقبيلتين من الجن يكون عنده بدل كل .
وقال ابن جرير : فإن قال لنا القائل وكيف وجه تقديم ذلك ، قيل تقديمه أن يقال
وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ
وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ
و
ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
ببابل هاروت وماروت ، فيكون معنيا بالملكين جبريل وميكائيل ، لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن اللّه أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود ، فأكذبهم اللّه بذلك وأخبر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر ، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين ، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل ، وإن الذي
هامش
( 1 ) أخرج حديث سحر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، البخاري في بدء الخلق باب 11 ، والجزية باب 14 ، والطب باب 49 ، 50 ، والدعوات باب 58 ، وأحمد في المسند 6 / 50 ، 96 .
( 2 ) أخرج حديث السبع الموبقات ومنها الشرك باللّه والسحر : البخاري في الوصايا باب 23 ، والطب باب 48 ، والحدود باب 44 ، والمحاربين باب 30 ، ومسلم في الإيمان حديث 144 ، وأبو داود في الوصايا باب 10 .