والألف والنون وهذا إنما يثبت إذا دخله الاشتقاق والتصريف ، وقد تقدم أنهما لا يدخلان في الأسماء الأعجمية ، وفيه تنزيه سليمان عن السحر ، ولم يتقدم أن أحدا نسب سليمان إلى الكفر ولكن لما نسبته اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر ، لأن السحر يوجب ذلك وقالوا إن سليمان ملك الناس بالسحر ، ولهذا أثبت اللّه سبحانه كفر الشياطين فقال :
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا
أي بتعليمهم قرأ ابن عامر والكوفيون سوى عاصم ولكن بالتخفيف ورفع الشياطين والباقون بالتشديد والنصب .
عن ابن عباس قال إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب معها ألف كذبة فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين فأطلع اللّه على ذلك سليمان بن داود فأخذها فدفنها تحت الكرسي ، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع ، قالوا نعم فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم وأنزل اللّه عذر سليمان فيما قالوا من السحر ، فقال :
وَاتَّبَعُوا
الآية ، أخرجه الحاكم وصححه .
وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عنه قال كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم ، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه ، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرا وكفرا وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل به ، فأكفره جهال الناس وسبوه ، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
وَاتَّبَعُوا
الآية .
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
وهو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء ، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير ، وهو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته ، وقيل أصله الخفاء فإن الساحر يفعله خفية ، وقيل أصله الصرف لأن السحر مصروف عن جهته ، وقيل أصله الاستمالة لأن من سحرك استمالك ، وقال الجوهري السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر ، والساحر العالم .
وقال الغزالي : السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم ، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور ، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع ، ويتوصل بسببها إلى الاستغاثة بالشياطين ، وتحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء اللّه العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور انتهى ، وقد ذكر أبو السعود أنواعا من السحر فليرجع إليه .