تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها ، وعذاب وشدة على الكافرين . ثم إنه اتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط وجزاء تتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب والوعيد الشديد له فقال :
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ
العداوة من العبد هي صدور المعاصي منه للّه تعالى والبغض لأوليائه ، والعداوة من اللّه للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له ، قال الكرماني : قدم الملائكة على الرسل كما قدم اللّه على الجميع لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب ، ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر اللّه ، فذكر اللّه ومن بعده على هذا الترتيب ، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما والدلالة على فضلهما ، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلا للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف ، وقرره علماء البيان . وفي جبريل ثلاث عشرة لغة ذكرها ابن جرير الطبري وغيره ، وفي ميكائيل ست لغات ، وهما اسمان أعجميان قيل معناهما عبد اللّه لأن جبروميك بالسريانية هو العبد ، والإيل هو اللّه ، والعرب إذا نطقت بالعجمي تساهلت فيه ، وقال ابن جني خلطت فيه ، والأولى ما ذكرناه
فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ
فأما عداوتهم للّه فإنها لا تضره ولا تؤثر ، وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الأليم الدائم الذي لا ضرر أعظم منه .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 99 إلى 101 ]

وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ ( 99 ) أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 100 ) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 )
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ
يا محمد
آياتٍ بَيِّناتٍ
أي واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند اللّه مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام ، أو علامات دالة على نبوتك
وَما يَكْفُرُ بِها
أي ما يجحد بهذه الآيات
إِلَّا الْفاسِقُونَ
- أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به ، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين ويحتمل أن يراد اليهود لأن الكلام معهم ، والأول أولى لأنهم داخلون فيه دخولا أولويا .
أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً
استفهام إنكار
نَبَذَهُ فَرِيقٌ
أصل النبذ الطرح والالقاء ومنه سمي اللقيط منبوذا ، ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء ، وهو حقيقة في الإجرام ، وإسناده إلى العهد مجاز
مِنْهُمْ
يعني اليهود
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وفريق منهم بالجحد للحق ، والمعنى على إنكار اللياقة والمناسبة أي لا ينبغي منهم نبذ العهد كلما عقدوه .