وو اللّه
لَتَدْخُلُنَّ
أيّها المؤمنون في العام القابل
الْمَسْجِدَ الْحَرامَ
لا بمشيئتكم وقدرتكم ، بل
إِنْ شاءَ
وأراد دخولكم فيه ، وفيه تعليم للعباد وتنبيه على أنّ إرادة أهل مكّة منعكم من دخوله لا يزاحم إرادة اللّه ، وأنكم تدخلونه حال كونكم
آمِنِينَ
من أعدائكم ، ويدوم أمنكم إلى أن تصيروا
مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ
ومزيلين جميع شعرها
وَمُقَصِّرِينَ
ومزيلين بعضه و
لا تَخافُونَ
من أحد بعد الحلق والتقصير وإحلالكم من الاحرام ، مع أن قريش لا يحرّمون من أحلّ من إحرامه .
فَعَلِمَ
اللّه بعد ما أرى نبيه صلّى اللّه عليه وآله الرؤيا في تأخير وقوع تعبيرها ، أو في تقديم ما يشهد على صدقها
ما لَمْ تَعْلَمُوا
من الحكمة والمصلحة
فَجَعَلَ
سبحانه لأجل تلك المصلحة واسترواح قلوب المؤمنين
مِنْ دُونِ
وقوع
ذلِكَ
الموعود من دخول مكّة
فَتْحاً
وافر الغنيمة
قَرِيباً
من صلح الحديبية ، وهو فتح خيبر .
قيل : إنّه كان بعد خمس عشرة ليلة من الحديبية « 1 » .
وقيل : إنّ المراد من الفتح القريب صلح الحديبية « 2 » ، فانّه أعظم الفتوح كما مرّ .
[ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 28 إلى 29 ]
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً ( 28 ) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ( 29 )
ثمّ أكّد سبحانه صدق رؤيا النبي صلّى اللّه عليه وآله وعدم إمكان كذبها بقوله :
هُوَ
اللّه الحكيم
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ
محمد إلى الناس جائيا لهم
بِالْهُدى
والرّشاد إلى الصراط المستقيم . وقيل : يعني بالقرآن « 3 » ، أو ما اتّفق عليه الرسل « 4 » ، أو بالمعجزات « 5 » الباهرة
وَدِينِ الْحَقِّ
والثابت الذي لا ينسخ إلى يوم القيامة ، وهو الاسلام ، فإذا كان إرساله للهداية لا يمكن أن يخبر الناس بوقوع ما لا يقع ، فيضلّوا بكذبه في إخباره .
وقيل : إنّ باء ( بالهدى ) للسببية « 6 » ، والمعنى : أرسله بسبب الهدى ولأجله ، فلا يصدر عنه ما هو سبب الضلال ، وليس فتح مكة منه ببعيد ، مع أن اللّه ارسله بالدين الثابت
لِيُظْهِرَهُ
ويغلبه ويعليه
عَلَى
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 53 .
( 2 ) . مجمع البيان 9 : 191 ، تفسير الرازي 28 : 106 .
( 3 ) . مجمع البيان 9 : 191 ، جوامع الجامع : 455 .
( 4 ) . تفسير الرازي 28 : 106 .
( 5 ) . تفسير البيضاوي 2 : 413 ، تفسير أبي السعود 8 : 114 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 8 : 113 ، تفسير روح البيان 9 : 55 .