ثمّ بيّن سبحانه علّة كفّ يد المسلمين عن قتل كفّار مكة مع استحقاقهم القتل والاستئصال بقوله تبارك وتعالى :
هُمُ
الأشقياء
الَّذِينَ كَفَرُوا
باللّه ورسوله واليوم الآخر
وَصَدُّوكُمْ
ومنعوكم أيها المؤمنون
عَنِ
دخول
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
والصلاة فيه ، والطّواف بالبيت ،
وَ
منعوا
الْهَدْيَ
والنّعم التي جعلتموها للّه تقربا إليه ، حال كون الهدي
مَعْكُوفاً
ومحبوسا من
أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ
الذي يجب نحره فيه ، وهو للمعتمر عند الصفا ، فصاروا بتلك الأعمال القبيحة مستحقين للقتل والاستئصال
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ
في مكة ، وأنتم
لَمْ تَعْلَمُوهُمْ
بأعيانهم ، ولم تعرفوهم باشخاصهم ، وهم على ما قيل اثنان وسبعون نفس ، كانوا يكتمون إيمانهم « 1 » ، ولولا كراهة
أَنْ تَطَؤُهُمْ
وتهلكوهم
فَتُصِيبَكُمْ
وتصل إليكم
مِنْهُمْ
ومن جهة إهلاكهم
مَعَرَّةٌ
ومشقّة ومكروه
بِغَيْرِ عِلْمٍ
منكم بهم ، لوجوب الدّية والكفّارة ، والأسف عليهم ، والإثم بترك الفحص عنهم والتقصير فيه ، وتعبير الكفار عليكم بقتلكم إخوانكم في الدين ، ومعاملتكم مع أحبائكم معاملتكم مع أعدائكم ، لمّا كفّ اللّه أيدكم عنهم ، أو لفعل بهم ما أراد ، أو لعجّل اللّه في إهلاكهم ، وإنّما كفّها عنهم ، أو لم يعجّل في إهلاكهم
لِيُدْخِلَ اللَّهُ
بلطفه
فِي رَحْمَتِهِ
بهذا الكفّ ، أو ترك تعجيل إهلاكهم
مَنْ يَشاءُ
إدخاله في الرحمة بتوفيقه للدخول في الإسلام ، أو لتعلّم أحكامه والعمل بها بلا تقية
لَوْ تَزَيَّلُوا
وافترقوا أولئك المؤمنون والكفّار وامتازوا
لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
بكفرهم وقبائح أعمالهم
عَذاباً أَلِيماً
من القتل والاستئصال حسب استحقاقهم .
وعن الصادق عليه السّلام في تأويل الآية : أنّه سئل ألم يكن علي عليه السّلام قويا في بدنه ، قويا في أمر اللّه ؟ فقال :
« بلى » قيل : فما منعه أن يدفع أو يمتنع ؟ قال عليه السّلام : « سألت فافهم الجواب ، منع عليا من ذلك آية من كتاب اللّه » فقيل : وأي آية ؟ فقرأ
لَوْ تَزَيَّلُوا . . .
الآية ، إنه كان للّه ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين ومنافقين ، فلم يكن علي عليه السّلام ليقتل الآباء حتى تخرج الودائع ، فلمّا خرجت ظهر على من ظهر وقتله ، وكذلك قائمنا أهل البيت ، لم يظهر أبدا حتى تخرج ودائع اللّه ، فإذا خرجت ظهر على من ظهر فيقتله » « 2 » .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 26 ]
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ( 26 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 48 .
( 2 ) . تفسير القمي 2 : 316 ، تفسير الصافي 5 : 43 .