ثمّ بيّن سبحانه وقت غاية استحقاق الكفّار للتعذيب ونزول العذاب عليهم بقوله :
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا
من أهل مكّة وحين مكّنوا
فِي قُلُوبِهِمُ
القاسية ورسّخوا فيها
الْحَمِيَّةَ
والعصبية والأنفة من الإقرار للنبي صلّى اللّه عليه وآله بالرسالة ، واستفتاح كتاب الصلح ببسم اللّه الرحمن الرحيم أو منعهم إياكم من دخول مكة ، حيث قالوا على ما قيل : إنّ المسلمين قتلوا أبناءنا وإخواننا ، ثمّ يدخلون علينا ، فتتحدّث العرب أنّهم دخلوا علينا على رغم أنفنا ، واللّات والعزّى لا يدخلون علينا ، فكانت هذه الحمية
حَمِيَّةَ
الملّة
الْجاهِلِيَّةِ
التي دخلت في قلوبهم « 1 » ، الحمية الناشئة من الجاهلية التي تمنع من الإذعان للحقّ « 2 » .
وقيل : إنّ الظرف متعلّق بقوله :
وَصَدُّوكُمْ
« 3 » وقيل : فاذكر المقدّر « 4 » .
ثمّ إنّه تعالى بعد ذكر سوء صنيع الكفّار ، ذكر حسن صنيع الرسول صلّى اللّه عليه وآله والمؤمنين بتوفيق اللّه بقوله :
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ
والطّمأنينة الكائنة من قبله
عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
بتبعه ، وزاد في ثباتهم على التسليم لأمر اللّه واتّباع مرضاته ، أو ألبسهم الوقار حتى تحمّلوا حميّتهم وصالحوهم ورضوا ان يكتب كتاب الصّلح على ما أرادوا ، [ و ] لم يلحقهم ما لحق الكفّار
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
وقول لا إله إلّا اللّه ، الذي به يتّقى عن الشّرك في الدنيا ، وعن النار في الآخرة ، وثبّتهم عليها ، والمشركون أبوا منها .
عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : « أول القول كلمة التقوى » « 5 » .
وعن ( العلل ) عنه عليه السّلام أنّه قال في تفسير لا إله إلّا اللّه : « وهي كلمة التقوى ، تثقل بها الموازين يوم القيامة » « 6 » .
وقيل : هي ( بسم اللّه الرحمن الرحيم ) و ( محمد رسول اللّه ) الذي امتنع المشركون من كتبهما في كتاب الصّلح في الحديبية « 7 » .
وقيل : هو الوفاء بالعهد ، فانّ المؤمنين وفوا بعهدهم ، والمشركون نقضوه ، حيث عاونوا بني بكر على خزاعة « 8 » .
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 49 .
( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 28 : 101 .
( 5 ) . تفسير القمي 1 : 290 ، تفسير الصافي 5 : 44 .
( 6 ) . علل الشرائع : ، تفسير الصافي 5 : 44 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 9 : 50 .
( 8 ) . تفسير روح البيان 9 : 50 .