أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس . فقال أبو سفيان : ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، يا عباس لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما . فقال العباس : إنّها النبوّة .
ثمّ أمر صلّى اللّه عليه وآله أن يدخل خالد بن الوليد مع جملة من قبائل العرب من أسفل مكة ، وقال : لا تقاتلوا إلّا من قاتلكم ، وجمع قريش ناسا بالخندمة ليقاتلوا ، فلّما لقيهم خالد منعوه من الدخول ورموه بالنبل ، فصاح خالد في أصحابه ، فقتل من قتل ، وانهزم من لم يقتل ، فوصل خالد إلى باب المسجد ، ودخل صلّى اللّه عليه وآله بمكة وهو راكب على ناقته القصوى مردفا أسامة بن زيد في صبيحة يوم الجمعة ، أو يوم الاثنين ، معتمّا بعمامة سوداء ، واضعا رأسه الشريف على راحلته تواضعا للّه تعالى ممّا رأى من كثرة المسلمين وفتح مكّة . ثمّ قال : « لا عيش إلّا عيش الآخرة » وسار وهو يقرأ سورة الفتح ، حتى جاء البيت وطاف به أسبوعا على راحلته ، ومحمد بن مسلمة آخذ بزمامها ، واستلم الحجر بمخجن في يده الشريفة ، وصلّى بالمقام ركعتين .
وكان في داخل الكعبة وخارجها وفوقها ثلاثمائة وستون صنما ، لكلّ حي من أحياء العرب صنم ، وكان هبل وهو أعظم الأصنام ، وكان من عقيق في جنب البيت من جهة بابه ، فجاء صلّى اللّه عليه وآله وفي يده قضيب ، فجعل يهوي به إلى كل صنم ، فيخرّ لوجهه ، وهو يقول : « جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا » وأمر عليا عليه السّلام فصعد الكعبة ، وكسر ما فوقها .
ثمّ أرسل صلّى اللّه عليه وآله بلالا إلى عثمان بن أبي طلحة يأتي بمفتاح الكعبة ، فدخلها وصلى فيها ركعتين ، ودعا في نواحيها ، ثمّ جلس على الصفا يبايع الناس ، فجاء أهل مكّة صغارهم وكبارهم ، ورجالهم ونساؤهم ، فبايعهم على شهادة أن لا إله إلّا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه ، وعلى العمل بأحكام الإسلام ، فدخل الناس في دين اللّه أفواجا ، وعفا عن عامتهم ، وقال : « أيها الناس ، إنّ اللّه حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ويوم خلق الشمس والقمر ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، فلا يحلّ لامرىء يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما ، ولا يعضد « 1 » فيها شجرة ، لم يحلّ لأحد قبلي ولا لأحد بعدي ، ولا يحلّ لي إلّا هذه الساعة غضبا على أهلها ، ألا قد رجعت اليوم كحرمتها بالأمس ، فليلّغ الشاهد منكم الغائب » « 2 » .
[ سورة الفتح ( 48 ) : آية 25 ]
هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 25 )
هامش
( 1 ) . عضد الشجرة : قطعها بالمعضد .
( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 44 .