« نحن على عهدنا ومدّته » ولم يقبل ذلك من أبي سفيان ، فرجع إلى قريش ، وأخبرهم بما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وقال : إنّي تتبّعت أصحابه ، فما رأيت قوما أطوع لملكهم من أصحاب محمد له .
ثمّ أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله أصحابه بالجهاز ، وأرسل إلى أهل البادية ومن حوله من المسلمين في كل ناحية ، يقول لهم : من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليحضر في شهر رمضان بالمدينة . فلمّا قدموا قال صلّى اللّه عليه وآله :
« اللهمّ خذ العيون والأخبار من قريش حتى نبلغها « 1 » في بلادها » .
ثمّ خرج من المدينة لعشر خلون من شهر رمضان ، وأفطر بالكديد - وهو محلّ بين عسفان وقديد - وأمر أصحابه بالإفطار ، وكان عددهم عشرة آلاف ، فيهم المهاجرون والأنصار ، وعقد صلّى اللّه عليه وآله بالقديد الألوية والرايات ، ودفعها للقبائل ، ثمّ سار صلّى اللّه عليه وآله حتى نزل بمرّ الظّهران وهو على مرحلة من مكة ، وقد أعمى اللّه تعالى أخباره عن قريش إجابة لدعائه ، وأمر صلّى اللّه عليه وآله أصحابه أن يوقد كلّ أحد منهم نارا .
فلمّا سمعت قريش بتوجّه النبي صلّى اللّه عليه وآله إليهم أرسلوا أبا سفيان ليأخذ منه الأمان لهم ، فوصل إلى مرّ الظّهران ليلا ، قال : ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا ، وكان بينه وبين العباس عمّ النبي صلّى اللّه عليه وآله صداقة ، فلمّا لقيه أخذ العباس بيده ، وجاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله ليأخذ منه الأمان له ، فقال صلّى اللّه عليه وآله له : « اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ، فلمّا أتى به إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله عرض عليه الإسلام فتوقّف ، فقال له العباس : ويحك أسلم واشهد أنّه لا إله إلّا اللّه ، وأنّ محمدا رسول اللّه قبل أن يضرب عنقك ، فشهد الشهادتين وأسلم .
ثمّ قال : يا رسول اللّه ، إن اعتزلت قريش فكفّت أيديها أهم مؤمنون ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله : « نعم ، من كفّ يده وأغلق باب داره فهو آمن » فقال العباس : يا رسول اللّه ، إنّ أبا سفيان يحبّ الفخر ، فاجعل له شيئا . قال :
« نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن دخل دار حكيم فهو آمن » واستثنى جماعة من الرجال والنساء ، وأمر بقتلهم ، وإن وجدوا متعلّقين بأستار الكعبة ، منهم ابن خطل ونحوه ، فانّهم كانوا طغاة مردة مؤذين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أشدّ الأذى .
وقال صلّى اللّه عليه وآله للعباس : « احبس أبا سفيان في مضيق الوادي حتى تمرّ به جنود اللّه فيراها » فأول من مرّ به خالد بن الوليد في بني سليم ، ثمّ قبيلة بعد قبيلة براياتهم ، حتى مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ومعه المهاجرون والأنصار ، فقال أبو سفيان : سبحان اللّه يا عباس ، من هؤلاء ؟ فقال العباس : هذا رسول اللّه في الأنصار ، وكان عليهم سعد بن عبادة ومعه الراية ، وكان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس ، والأنصار
هامش
( 1 ) . في تفسير روح البيان : نبغتها .