تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 518

مساهمون:

ص٥١٨
الذهبان ومعادن الأقيان ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طيور السماء وو حوش الأرضين لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء » . إلى أن قال : « ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم ، وضعفه فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى ، ولو كانت الأنبياأ أهل قوة لا ترام ، وعزة لا تضام ، وملك تمد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار ، وأبعد لهم عن الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، وكانت السيئات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله ، والتصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته أمورا له خاصة ، لا يشوبها من غيرها شائبة ، وكلما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل » « 1 » .
فَلَمَّا آسَفُونا
وشددوا عليهم سخطنا بالافراط في الطغيان والعناد للحق
انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
وعجلنا في إنزال العذاب عليهم
فَأَغْرَقْناهُمْ
في البحر المطاع والمطيعين
أَجْمَعِينَ
بحيث لم نترك منهم أحدا . قيل : لما افتخر فرعون بجريان الماء من تحته ، غرقه الله في الماء « 2 » . عن الصادق عليه السلام ، قال في هذه الآية : « إن الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا ، ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون ، وهم مخلوقون ومربوبون ، فجعل رضاهم رضا نفسه ، وسخطهم سخط نفسه ، وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه ، والأدلاء عليه ، فلذلك صاروا كذلك » . إلى أن قال : « ولو كان يصل إلى الملكوت الأسف والضجر ، وهو الذي أحدثهما وأنشأهما ، لجاز لقائل أن يقول : إن الملكوت يبيد يوما ، لأنه إذا دخله الضجر والأسف ، دخله التغير ، وإذا دخله التغير ، لم يؤمن عليه الإبادة » « 3 » الخبر . وقيل : إن الأسف والغضب من الله إرادة العذاب الذي هو أثر الغضب ، والانتقام هو التعذيب لجرم سابق « 4 » . ثم بين سبحانه أن فائدة إهلاكهم صيرورتهم عبرة لمن بعدهم بقوله :
فَجَعَلْناهُمْ
وصيرناهم
سَلَفاً
وقدوة لمن بعدهم من الكفار الذين يسلكون مسلكهم في استيجاب ما حل به من العذاب ،
هامش
( 1 ) . نهج البلاغة : 291 الخطبة 192 ، تفسير الصافي 4 : 395 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 381 . ( 3 ) . الكافي 1 : 112 / 6 ، التوحيد : 168 / 2 ، تفسير الصافي 4 : 396 . ( 4 ) . تفسير الرازي 27 : 219 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 518 | الشيخ محمد النهاوندي