تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
فحاصل الآيات أنّ كثرة المال والنّعم الدنيوية تعمي الإنسان عن مطالعة آيات اللّه وكتابه ، وذلك العمى يجعل الانسان قرينا للشيطان ، وهو يضلّه عن الهدى ، فيشتركان في العذاب ، كما كانا مشتركين في الكفر والعصيان . عن الباقر عليه السّلام - في تأويله - « نزلت هاتان الآيتان هكذا :
حَتَّى إِذا جاءَنا
يعني فلانا وفلانا ، يقول أحدهما لصاحبه حين يراه :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
فقال اللّه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه وآله : قل لفلان وفلان وأتباعهما
لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ
آل محمد » « 1 » .

[ سورة الزخرف ( 43 ) : الآيات 40 إلى 42 ]

أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 40 ) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ ( 41 ) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ ( 42 ) ثمّ لمّا وصف اللّه سبحانه المصرّين على الكفر والشرك بالعمى والعشيّ والتعامي ، بالغ في ذمّهم بأن وصفهم بالعمى والصّمم ، فلا يمكن هدايتهم إلى الطريق الحقّ بالدعوة والبيان بقوله :
أَ فَأَنْتَ
يا محمد
تُسْمِعُ الصُّمَّ
وفاقدي قوّة السّمع دعوتك وآيات كتابك
أَوْ تَهْدِي
وتدلّ
الْعُمْيَ
وفاقدي قوّة البصر إلى الطريق الحقّ ودين الاسلام
وَ
تدلّ
مَنْ كانَ
غائرا
فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وانحراف واضح لجميع العقلاء عن الحقّ وسبيل الخير ؟ لا واللّه لا تقدر على إسماعهم وهدايتهم مع كمال نبوتك ، وشماخة مقامك ، فلا تتعب نفسك الشريفة في دعوتهم إلى الايمان ، وفيه إشعار بأنّ الوصفين لتمكّنهم في الضلال المفرط . روي أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله كان يتعب نفسه في دعاء قومه ، وهم لا يزيدون إلّا غيا وتعاميا ممّا يشاهدونه من المعجزات ، وتصامما عما يسمعونه من الآيات ، فنزلت « 2 » . ثمّ سلّى سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ
من الدنيا إلى جوار رحمتنا قبل أن نريك عذابهم ، ونشفي غليل صدرك وصدر المؤمنين باهلاكهم
فَإِنَّا
لا محالة
مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ
في الدنيا والآخرة بعد ذهابك من الدنيا . روى العلامة في ( نهج الحق ) عن ابن عباس في الآية ، أنّه قال : بعليّ عليه السّلام « 3 » . وقال القاضي : الرواية عن طريق ابن عباس قد رواها ابن مردويه .
هامش
( 1 ) . تفسير القمي 2 : 286 ، تفسير الصافي 4 : 392 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 371 . ( 3 ) . نهج الحق : 205 ، مناقب ابن المغازلي : 275 / 321 ، وشواهد التنزيل 2 : 153 / 852 ، عن جابر الأنصاري .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 512 | الشيخ محمد النهاوندي