ثمّ لمّا بيّن سبحانه يأس المشركين في القيامة من الخلاص من العذاب ، بيّن يأسهم في الدنيا من رحمة اللّه عند ابتلائهم بالضرر بقوله :
لا يَسْأَمُ
ولا يملّ
الْإِنْسانُ
بالطبع والجبلّة
مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ
وطلب النفع الدنيوي والأخروي
وَ
لكن
إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ
وأصابه الضرر
فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ
ومبالغ في قطع الرجاء من الرحمة ، بحيث تظهر آثار اليأس في وجهه وأعضائه .
وحاصل المراد - واللّه أعلم - أنّ حال جنس الانسان وطبيعته دائر بين الحرص إلى الفوائد بحيث لا يقف على حدّ كلّما وجد طلب الزيادة ، والقنوط الذي هو شدّة اليأس .
ثمّ ذمّه سبحانه على سوء حاله ومقاله عند عود النعمة بقوله :
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ
وأنعمنا عليه
رَحْمَةً
ونعمة كائنة
مِنَّا
وبتفضّلنا كالصحة والغنى والأمن ونحوها
مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
وبلية أصابته من فقر ومرض وخوف وأمثالها
لَيَقُولَنَّ
غرورا وجهلا
هذا
الخير العائد إلى حقّ
لِي
وصل إليّ بفضلي وعلميّ لا يزول عنّي أبدا ، فيشتغل بالنعمة عن المنعم ، وجهل أنّه عطاء من ربّه ليبلوه أيشكر أم يكفر ، بل يبالغ في الكفر بقوله :
وَما أَظُنُّ
أنّ
السَّاعَةَ قائِمَةً
والقيامة آتية ، كما يزعم المؤمنون بالمعاد
وَلَئِنْ رُجِعْتُ
ورددت
إِلى رَبِّي
على تقدير قيامها وصحة قول القائلين بالمعاد ودار الجزاء ، وبعثت من القبر للحساب عند اللّه
إِنَّ لِي عِنْدَهُ
واللّه
لَلْحُسْنى
والدرجة العليا من النّعم والكرامة ، لأنّ استحقاقي للنعم الدنيوية ملازم لاستحقاقي للنّعم الأخروية مع كون قياس أمر الآخرة على أمر الدنيا من الأوهام الفاسدة والأماني الكاذبة
فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
ولنعلمنّهم يوم القيامة
بِما عَمِلُوا
من الكفر والمعاصي بتجسّم أعمالهم بالصور الواقعية التي تكون لها فينفر منها حتى يتمنّى أن بينه وبينها أمدا بعيدا
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
ونطعمنّهم
مِنْ
طعم
عَذابٍ غَلِيظٍ
وعقاب شديد لا يمكن وصفه ، ولا يعرف كنهه ، بدل ما توهّموه من أنّ لهم عند اللّه المثوبة الحسنى والكرامة العليا .
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 51 إلى 52 ]
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ( 51 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 52 )