رحمة اللّه وسعادة الدارين ، إذا تليت عليهم الآيات ، أو ذكرت عندهم المواعظ والعبر ، كأنّهم
يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
عنهم غايته ، بحيث لا يكاد يسمع منه الكلام ، بل إنّما يسمع النداء والصوت .
[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 45 إلى 46 ]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 )
ثمّ لمّا كان عناد المشركين وإنكارهم صدق القرآن وطعنهم فيه سببا لايذاء قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله ، سلّاه سبحانه بقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى
بن عمران التوراة ، وأنزلنا إليه ذلك
الْكِتابَ
لهداية قومه
فَاخْتُلِفَ فِيهِ
فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر ، كما اختلف قومك في كتابك ، فمنهم من صدّقه ، ومنهم من كذّبه ، فليس اختلاف قومك في صدق كتابك أمرا بديعا مختصا بقومك ، بل هي عادة قديمة للأمم
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ
وعدة
سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ
في حقّ امّتك المكذّبة بالإمهال وعدم استئصالهم بالعذاب في الدنيا بقوله :
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ
« 1 » وقوله :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
« 2 » تاللّه
لَقُضِيَ
وحكم
بَيْنَهُمْ
باستئصال المكذّبين بالعذاب ، كما فعل بمكذبي الأمم السابقة
وَإِنَّهُمْ
ليسوا بقاطعين بكذب كتابك ، بل هم واللّه
لَفِي شَكٍّ
من صدق كتابك وترديد
مِنْهُ
ترديد
مُرِيبٍ
وموقع قلبهم في الغلق والاضطراب ، فلا تستعظم استيحاشك من تكذيبهم ،
واعلم أنّه
مَنْ عَمِلَ صالِحاً
من الايمان بكتابك وتعظيمه ، والتمسّك به ، والعمل بأحكامه
فَلِنَفْسِهِ
نفعه لا يتعدّى إلى غيره
وَمَنْ أَساءَ
وأعرض عنه ، وكفر به وطعن فيه
فَعَلَيْها
ضرره لا عليك ولا على أحد غيره .
ثمّ قرّر ذلك سبحانه بقوله :
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
بل هو العادل الذي لا يمكن منه الجور ، فلا يعذّب غير المسئ ، ولا المسئ زائدا على استحقاقه ، ولا يضيع أجر المحسنين ، ولا ينقص منه .
قيل : من ظلم وعلم أنّه ظلم فهو ظلّام . وقيل : إنّ صيغة المبالغة باعتبار كثرة العبيد ، لا باعتبار كثرة الظلم . وقيل : إنّ أصله : وما ربك بظالم ، ثمّ نقل مع نفيه إلى صيغة المبالغة ، فكانت المبالغة راجعة إلى النفي ، والمعنى أنّ الظلم منفيّ عنه نفيا موكّدا مضاعفا « 3 » .
هامش
( 1 ) . القمر : 54 / 46 .
( 2 ) . الأنفال : 8 / 33 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 274 .