أقول : يحتمل أن يكون المراد أنّه يعرف حقيقة الربوبية بمعرفة العبودية ، فما فقد من العبودية من الكبرياء والعزّة والغنى المطلق والعلم بحقائق الأشياء وخفاياها والمغيبات والقدرة الكاملة وغيرها من الكمالات ، وجد في الربوبية ، فانّ العبودية ذلّة ومسكنة وفقر وجهل وعجز وعدم وفناء ، وما خفي من الربوبية من الكمالات أصيب في العبودية ، فانّ العبد بالتفكّر فيما له من الصفات الكمالية ، يعلم الكمالات الربوبية ؛ لأنّه يرى الكمالات الحاصلة من ربّه ، ولا يمكن أن يكون معطى الشيء فاقدا .
قيل : إنّ المراد بالآيات الآيات الدالة على حقّانية القرآن ، وكونه من عند اللّه « 1 » ، والمراد بالآيات الافاقية ما أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وآله من الحوادث الآتية ، كغلبة الروم على فارس في بضع سنين ، وما وقع في الأمم الماضية الموافقة لما هو المضبوط في كتب التواريخ والأنبياء السابقة ، مع كون النبي أميا لم يقرأ ولم يتعلّم « 2 » ، أو ما وقع له من الفتوحات والغلبة على آفاق الدنيا على وجه خارق للعادة « 3 » ، ومن قوله :
فِي أَنْفُسِهِمْ
هو القحط في مكّة وما حلّ بأهلها من الخوف والقتل والأسر « 4 » .
وقيل : إنّ المراد من آيات الآفاق فتح البلاد المحيطة بمكة « 5 » ، ومن آيات أنفسهم فتح مكّة « 6 » .
ثمّ بيّن سبحانه أنّ عدم تفكّر المشركين في الآيات لجرأتهم على اللّه ، لعدم اعتقادهم بالآخرة بقوله :
أَلا
أيّها العقلاء
إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ
وشكّ عظيم ، وشبهة شديدة
مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ
بعد الموت ، وحضورهم عنده للحساب وجزاء الأعمال ، ولذا يجترئون على اللّه في مخالفته وترك التفكر في آيات توحيده ، ورسالة رسوله ، وصدق كتابه ، فيقولون ما يقولون ، ويعملون ما يعملون
أَلا
أيّها المشركون باللّه ، المنكرون للقائه
إِنَّهُ
تعالى
بِكُلِّ شَيْءٍ
ظاهره وباطنه
مُحِيطٌ
بحيث لا يخفى عليه منهم خافية ، فيجازيكم على كفركم وسوء نياتكم وجدالكم في الحق أسوأ الجزاء .
عن الصادق عليه السّلام : « من قرأ حم السجدة ، كانت له نورا يوم القيامة لبصره وسرورا ، وعاش في الدنيا محمودا مغبوطا » « 7 » .
وعن ( الخصال ) عنه : « إنّ العزائم أربع » وعدّ منها هذه السورة « 8 » .
الحمد للّه على إتمام تفسيرها .
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 8 : 19 ، تفسير روح البيان 8 : 281 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 281 .
( 3 و 4 ) . تفسير أبي السعود 8 : 19 ، تفسير روح البيان 8 : 281 .
( 5 ) . تفسير الرازي 27 : 139 .
( 6 ) . تفسير أبي السعود 8 : 19 .
( 7 ) . ثواب الأعمال : 113 ، تفسير الصافي 4 : 365 .
( 8 ) . الخصال : 252 / 124 ، تفسير الصافي 4 : 365 .