تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول اللّه وأنا رديفة يقول : « خلق اللّه الأرواح قبل الأجسام بأربعة آلاف سنة ، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة سواء لمن سأل ولمن لم يسأل ، وأنا من الذين لم يسألوا ، ومن سأل جهل » « 1 » . أقول : فيه دلالة على أنّ لام السائلين متعلقة بسواء . وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله - في حديث - : « الرزق أشدّ طلبا لصاحبه من صاحبه له » « 2 » .
ثُمَّ
بعد خلق الأرض
اسْتَوى
سبحانه ، وتوجّه
إِلَى
خلق
السَّماءِ
وقصد نحوها بإرادته ومشيئته
وَهِيَ
في النظر
دُخانٌ
وأجزاء أرضية لطيفة متصاعدة في الهواء مع الحرارة ، وفي الواقع مادة ظلمانية . قيل : أريد به الأجزاء التي لا تتجزأ ، ومن ظلمتها إبهامها « 3 » . وقيل : إنّ المراد من الدخان البخار المرتفع من الماء تشبيها له به « 4 » . عن ابن عباس في جواب نافع بن الأزرق الحروري : أنّ أول ما خلق اللّه العرش على الماء ، والماء من جوهرة خضراء أذابها اللّه ، ثمّ ألقى فيها نارا ، فصار الماء يقذف بالغثاء والزّبد ، فخلق الأرض من الغثاء ، ثمّ استوى إلى الدّخان الذي صار من الماء ، فسمكه سماء ، ثمّ بسط الأرض ، فكان خلق الأرض قبل خلق السماء ، وبسط الأرض ، وأرسى الجبال ، وتقدير الأرزاق ، وخلق الأشجار والدوابّ والبحار والأنهار بعد خلق السماء « 5 » .
فَقالَ
اللّه
لَها وَلِلْأَرْضِ
حين اقتضاء الحكمة إيجادهما :
ائْتِيا
من زاوية العدم إلى عالم الوجود ، وكونا على ما ينبغي أن تأتيا وتكونا عليه من الشكل والوصف ، من كون الأرض مدحوّة وقرارا ومهادا ، والسماء مقيية وسقفا ، سواء كان إتيانكما وتكوّنكما
طَوْعاً
ورغبة إلى طاعة أمري
أَوْ كَرْهاً
وبغير رغبة
قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
منقادين غير كارهين ، وهذا تمثيل لتأثير قدرته ونفوذ إرادته في إيجادهما ، وتشبيه له بالسلطان القاهر الذي يقول لأدنى رعيّته : لا بدّ لك من أن تفعل هذا شئت أم لم تشأ : فيقول : سمعا وطاعة . ثمّ لا يخفى أنّ الآية مسوقة لبيان خلق السماء بعد خلق الأرض ، ولكن لمّا لم يبن كيفية خلق الأرض مع كمال عظمتها ، قرنه ببيان كيفية خلق السماء التي هي أعظم منها ، وفي بعض الروايات دلالة على أنّ الخطاب إلى السماء والأرض بعد خلقهما . في حديث : « أنّ موسى قال : يا ربّ لو أنّ السماوات والأرض حيث قلت لهما : ائتينا طوعا أو كرها
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 234 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير روح البيان 8 : 235 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 8 : 235 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 442 | الشيخ محمد النهاوندي