ثمّ حكى سبحانه دعوة المؤمن إلى دين موسى بقوله :
وَقالَ
الرجل
الَّذِي آمَنَ
بموسى نصحا لقومه :
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ
واسمعوا قولي
أَهْدِكُمْ
وأرشدكم
سَبِيلَ الرَّشادِ
وطريقا يوصل سالكه إلى مصالح الدين والدنيا ، ولا تتّبعوا فرعون فانّه يسلك بكم سبيل الغيّ والضلال .
[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 39 إلى 42 ]
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 )
ثمّ لمّا كان أقوى الصوارف عن اتّباع الحقّ حبّ الدنيا ، بدأ بذمّها بقوله :
يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا
ولذّاتها
مَتاعٌ
قليل وانتفاع يسير ، يزول بأسرع وقت
وَإِنَّ
دار
الْآخِرَةَ
بالخصوص
هِيَ دارُ الْقَرارِ
والبقاء ، لخلودها ودوام ما فيها ، فعليكم بالاعراض عن الدنيا ، والاقبال إلى الآخرة والعمل لها ،
فانّه
مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً
في الدنيا
فَلا يُجْزى
في الآخرة
إِلَّا مِثْلَها
عدلا من اللّه سبحانه
وَمَنْ عَمِلَ
عملا
صالِحاً
مرضيا عند اللّه ، أيّ عمل كان
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ
باللّه وبرسله واليوم الآخر ، فانّ قبول الأعمال مشروط بالايمان
فَأُولئِكَ
المؤمنون العاملون
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
في الآخرة جزاء لايمانهم وأعمالهم و
يُرْزَقُونَ فِيها
ويتنعّمون
بِغَيْرِ حِسابٍ
وبلا تقدير وتقتير وموازنة بالعمل ، بل أضعافا مضاعفة فضلا من اللّه .
ثمّ بالغ المؤمن في إظهار الشّفقة على قومه ، وإيقاظهم من سنة الغفلة بتكرير ندائهم بقوله :
وَيا قَوْمِ ما لِي
والعجب منّي ومنكم حيث إنّي
أَدْعُوكُمْ إِلَى
سبب
النَّجاةِ
من النار
وَتَدْعُونَنِي
أنتم
إِلَى
سبب الدخول في
النَّارِ
ثمّ بين السببين بقوله :
تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ
وأنكر وجوده مع دلالة الآثار والأدلة القاطعة على وجوده وقدرته وحكمته ، أو أقرّ به
وَأُشْرِكَ بِهِ
في الوهيّته
ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
ولم يقم على شركته له دليل قاطع . وهو سبب الدخول في النار
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى
الايمان بالإله
الْعَزِيزِ
القادر على كلّ شيء ، وعلى الانتقام ممّن أنكره ، أو اشرك به
الْغَفَّارِ
لمن تاب عن العقائد الفاسدة وعصيانه ، ورجع إليه بالايمان والطاعة ، وهو سبب النجاة ، فلا ييأس الذين اصرّوا على الكفر والطغيان مدّة مديدة من رحمته وإحسانه ، فانّه يغفر كفر مائة سنة بايمان لحظة .