تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
ثمّ إنّه تعالى بعد الأمر بالتقوى ، والتأكيد في ملازمة العبادة ، أمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتبليغ وجوب الاخلاص فيها بقوله :
قُلْ
يا محمد ، للمشركين
إِنِّي أُمِرْتُ
من قبل ربّي
أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ
وامتثل أوامره ونواهيه حال كوني
مُخْلِصاً
وممحضا
لَهُ الدِّينَ
والعبادة من الشرك الرياء والأغراض الدنيوية
وَأُمِرْتُ
من قبله تعالى
لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
وأقدمهم في التسليم والانقياد له تعالى ، كي أكون أقدمهم في الآخرة في نيل الثواب والدخول في الجنة . قيل : إنّ لام
( لِأَنْ أَكُونَ )
ليست زائدة ، بل هي للتعليل . والمعنى : إنّما أمرت بالعبادة والإخلاص فيها ، لأجل أن أكون مقدّما في الدنيا والآخرة « 1 » . روى أنّ كفّار مكة قالوا للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله : ما يحملك على الذي أتيتنا به ؟ الّا تنظر إلى ملة آبائك وسادات قومك يعبدون الّلات والعزّى ، فتأخذ بتلك الملّة ، فنزلت « 2 » . ثمّ هدّد سبحانه الناس على ترك العبادة الخاصة بأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وآله باظهار خوف نفسه من العقوبة على تركها مع كونه حبيب اللّه وصفيّه بقوله :
قُلْ
يا محمد ، للمشركين
إِنِّي
مع عظم شأني وعلوّ قدري عند اللّه
أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي
بترك العبادة الخالصة واشرك غيره فيها
عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
الدواهي والأهوال ، فأنتم أولى بالخوف منّي . وفيه غاية التهديد والزجر عن العصيان .

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 14 إلى 16 ]

قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بالإخبار بالتزامه بامتثال ما أمر به من العبادة الخالصة ، وإعراضه عما يعبد من دونه ، قطعا لطمح المشركين من موافقته عليه السّلام لهم بقوله :
قُلِ
يا محمد
اللَّهَ
الذي خلقني وربّاني وكفاني بالخصوص
أَعْبُدُ
امتثالا لأمره حال كوني
مُخْلِصاً لَهُ دِينِي
وعبادتي من شوب الشّرك والرياء والهوى ، وأرى هذا صلاحي ، فان وافقتموني عليه فقد نلتم سعادة الدارين ، وإلّا
فَاعْبُدُوا
يا معشر الكفار
ما شِئْتُمْ
أن تعبدوه
مِنْ دُونِهِ
من الأصنام والأوثان والملائكة والشمس والقمر وغيرها من مخلوقاته ، وسترون سوء عاقبة عبادتكم . ثمّ لمّا كان الكفّار يقولون : خسرت يا محمّد حيث خالفت دين آبائك . أمره سبحانه بجوابهم بقوله :
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 7 : 247 . ( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 254 .