قُلْ
يا محمد لهم
إِنَّ الْخاسِرِينَ
والمتضرّرين الذين هم أعظم خسرانا وضررا في العالم هم
الَّذِينَ خَسِرُوا
وأضرّوا
أَنْفُسَهُمْ
وأهلكوها الهلاك الأبدي « 1 » بضلالها واختيار الكفر لها
وَ
أهلكوا
أَهْلِيهِمْ
من الأزواج والأولاد والأقارب
يَوْمَ الْقِيامَةِ .
عن ابن عباس : إنّ لكلّ رجل منزلا وأهلا وخدّاما في الجنّة ، فان أطاع أعطي ذلك ، وإنّ كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله ، وورثه غيره من المسلمين « 2 » .
ثمّ بيّن سبحانه غاية فظاعة خسرانهم بقوله :
أَلا
اعلموا أيّها العقلاء
ذلِكَ
الخسران
هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
والضرر والغبن الفاحش الواضح الذي لا يشكّ فيه ذو مسكة ، فانّ صرف العمر والعقل والقوى التي يمكن أن يستفاد منها الحياة الأبدية والجنة والنّعم الدائمية والراحة السرمدية في تحصيل الهلاكة الأبدية والعذاب الدائم ، تضييع لرأس المال ، ووقوع في أعظم الخسران الذي لا يتصوّر خسران مثله .
ثمّ بيّن سبحانه كيفية خسران الخاسرين بقوله :
لَهُمْ
يوم القيامة في جهنّم
مِنْ فَوْقِهِمْ
وعلى رؤوسهم
ظُلَلٌ
وأغشية وطبقات
مِنَ النَّارِ
مانعة من نظرهم إلى الفوق لغلظها وكثافتها ، وإنّما أطلق عليه الظّلل مع أنّ الظّلّة ما يستظلّ به من حرّ الشمس ويطلب للتبريد للتهكّم بهم
وَمِنْ تَحْتِهِمْ
أيضا
ظُلَلٌ
وطبقات من النار ، وإطلاق الظّلة عليها من باب إطلاق اسم أحد الضدّين على الآخر ، أو لأجل المشابهة ، أو لكونها ظلّا لمن في الدّركات السافلة . وحاصل المعنى أنّهم بين طبقتين من النار محاطون بها من جميع الجوانب
ذلِكَ
العذاب الفضيع ، وإن كان معدّا للكفّار ، ولكن ذكره في القرآن لأنّه
يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ
المؤمنين ليخلصوا إيمانهم ، ويثبتوا عليه ، ويتّقوه بالطاعة
يا عِبادِ
إذن
فَاتَّقُونِ
ي ، واحذروا سخطي ، ولا تتعرّضوا لما يوجب عقوبتي .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 18 ]
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 )
ثمّ لمّا أوعد اللّه عبدة الأصنام بالنار ، وذمّهم بالجهل والخسران ، وعد الموحّدين بالثواب ، ومدحهم بالهداية إلى كلّ خير وسعادة ، والفضل والكرامة وكمال العقل بقوله :
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها
وأعرضوا عن عبادة الشيطان والأوثان
وَأَنابُوا
ورجعوا بالكلية
إِلَى اللَّهِ
وحده ،
هامش
( 1 ) . في النسخة : الأبدية .
( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 255 و 256 .