المقدّسة بقوله ،
أَلا
أيّها العقلاء اعلموا أنّ اللّه تعالى
هُوَ الْعَزِيزُ
والغالب القادر على كلّ شيء .
ثمّ لما كانت قدرته موجبا لارعاب القلوب وترهيب النفوس منه ، أعلن بكمال رحمته ورأفته بعباده بقوله :
الْغَفَّارُ
بعباده لا يقطع عنهم رحمته بعصيانهم ، ولا يعاجل بالعقوبة على سيئاتهم .
قيل : الغفّار وهو ستّار القبائح ، فكما ستر قبائح الأبدان وقذاراتهم في باطنهم ، يستر خواطرهم المذمومة وإرادتهم السيئة ، كإرادة الغشّ والخيانة والظنون الرديئة في ضميرهم ، مع أنّه لو كانت ظاهرة لمقتوا أصحابها ، بل قتلوهم ، وكذلك يستر ذنوبهم التي موجبة للافتضاح بها عن الناس ، بتبديلها بالحسنات إذا مات على الإيمان « 1 » .
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 6 ]
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( 6 )
ثمّ إنه تعالى بعد استدلاله على التوحيد بالآيات الآفاقية ، استدلّ عليه بالآيات الأنفسية بقوله :
خَلَقَكُمْ
اللّه بقدرته
مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
وهي آدم أبو البشر
ثُمَّ جَعَلَ
وخلق من جنس تلك النفس أو من جزء
مِنْها
وهو الضلع الذي يلي الخاصرة ، أو من بقية طينتها
زَوْجَها
حوّاء
وَأَنْزَلَ لَكُمْ
إلى الأرض من الجنّة على قول « 2 » ، أو خلق لانتفاعكم ، كما عن أمير المؤمنين عليه السّلام « 3 »
مِنَ الْأَنْعامِ
الأربعة : الإبل ، والبقر ، والضأن ، والمعز ، للإبل قسمان : بخاتي « 4 » وعراب ، وللثلاثة الاخر أيضا قسمان : أهلي ، ووحشي ، أو لكلّ قسمان : الذكر ، والأنثى ، فيصير المجموع
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
وأصناف ، ولمّا كان انتفاع الناس بالأنعام أكثر ، أو لكونها أشرف الحيوانات ، خصّها بالذّكر .
ثمّ لمّا ذكر سبحانه مبدأ خلق الانسان ، وكونهم من نفس واحدة ، ذكر كيفية خلقهم بقوله :
يَخْلُقُكُمْ
أيّها الناس
فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
وأرحامهنّ
خَلْقاً
تدريجيا ومتأخّرا
مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ
سابق فخلقكم إنسانا سويا من بعد تكسية عظامكم بلحم ، وذلك بعد خلقكم عظاما ، وذلك بعد خلقكم مضغة ، وذلك بعد خلقكم علقة ، وذلك بعد خلقكم نطفة ، وكلّ ذلك كائن
فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ :
ظلمة البطن ، وظلمة الرّحم ، وظلمة المشيمة ، كما عن الباقر عليه السّلام « 5 » أو ظلمة الصّلب ، وظلمة
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 73 .
( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 245 .
( 3 ) . الاحتجاج : 250 ، تفسير الصافي 4 : 314 .
( 4 ) . البخاتي : الإبل الخراسانية .
( 5 ) . مجمع البيان 8 : 766 ، تفسير الصافي 4 : 315 .