و
كَفَّارٌ
ومبالغ في تضييع حقوق نعم اللّه ، أو مصرّ في كفرهم وعبادتهم غير اللّه .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 4 إلى 5 ]
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 4 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 5 )
ثمّ إنّه تعالى بعد تهديد المشركين شرع في إبطال مذاهبهم التي منها القول بأنّ الملائكة بنات اللّه بقوله :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ
ويختار لنفسه
وَلَداً
كما زعمه بعض المشركين واليهود والنصارى
لَاصْطَفى
وانتخب
مِمَّا يَخْلُقُ
ويقدر على اتخاذ
ما يَشاءُ
أن يكون ولده ، ومن الجواهر القدسية والعقول المجرّدة ، لا عيسى ومريم وعزير ، ولا البنات التي تكرهونها لأنفسكم
سُبْحانَهُ
وتقدّس ذاته عمّا نسبوا إليه من الولد ، لا متناعه له ، بل
هُوَ اللَّهُ
الواجب الوجود
الْواحِدُ
من جميع الجهات لا تركيب له ولا ثاني له ولا صاحبة ولا ولد ، هو
الْقَهَّارُ
الذي يقهر جميع الموجودات بقدرته ، فلا يحتاج إلى ولد يعاونه في الأمور ويقوم مقامه بعد الموت .
ثمّ أكّد سبحانه كمال قدرته وغناءه بقوله :
خَلَقَ
بقدرته الكاملة ، بلا مشارك ولا معاون
السَّماواتِ
السبع
وَالْأَرْضَ
وما بينهما ، والحال أنّ خلقها
بِالْحَقِّ
والحكمة البالغة ، لا بالعبث والباطل و
يُكَوِّرُ اللَّيْلَ
ويغلبه
عَلَى النَّهارِ
بحيث يذهب النهار عن الأبصار
وَيُكَوِّرُ
ويغلب
النَّهارِ
بنوره
عَلَى اللَّيْلِ
المظلم بحيث يزيل ظلمته ، فشبّه سبحانه النور والظلمة بعسكرين مهيبين عظيمين قد يغلب هذا ذاك ، وقد يغلب ذاك هذا . وقيل : إنّ التكوير بمعنى الإقبال « 1 » ، وعلى أي تقدير أريد زيادة أحدهما ونقص الآخر ، وذلك دليل على كونهما تحت تدبيره وقدرته
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ
التي هي سلطان النهار
وَالْقَمَرَ
الذي هو سلطان الليل ، وذلّلهما تحت قدرته وسلطانه ، وجعلهما منقادين لأمره وإرادته ، فبارادته
كُلٌّ
منهما
يَجْرِي
ويسير في الفلك على وفق صلاح العالم
لِأَجَلٍ
ووقت
مُسَمًّى
ومعين قدّره اللّه بحكمته ، وهو منتهى دورته في كلّ يوم ، أو في كلّ شهر أو منتهى حركته وسيره ، وهو يوم القيامة الذي فيه تطوى السماء كطيّ السّجّل للكتب .
ثمّ لمّا ذكر سبحانه الآيات العظيمة على قدرته الكاملة ، أعلن في الناس بانحصار القدرة في ذاته
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 244 .