ثمّ لمّا كان الخوف من العقاب متوقّفا على علم المعاقب بالعصيان ، أعلن سبحانه بسعة علمه بقوله :
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ
والمضمرات في القلوب ، فكيف بغيرها من الأعمال الظاهرة ؟
[ سورة الزمر ( 39 ) : آية 8 ]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ ( 8 )
ثمّ إنّه تعالى بعد الاستدلال على التوحيد بالأدلة الواضحة وإظهار سخطه على الشرك ، بيّن شدّة لجاج المشركين وكفرانهم نعمه بقوله :
وَإِذا مَسَّ
وأصاب
الْإِنْسانَ
الجهول المشرك
ضُرٌّ
وسوء حال من فقر أو مرض أو غيرهما من الشدائد
دَعا رَبَّهُ
في كشف ذلك الضّرّ ، ونادى مالكه القادر على دفعه للخلاص من تلك البلية حال كونه
مُنِيباً
وراجعا
إِلَيْهِ
بالتوبة وإخلاص العمل ، وخاضعا له ، ومتضرّعا عنده
ثُمَّ إِذا
أزال اللّه عنه و
خَوَّلَهُ
وأعطاه
نِعْمَةً
عظيمة
مِنْهُ
من الغنى والصحة والراحة
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا
اللّه
إِلَيْهِ
من الضّرّ يسأله كشفه
مِنْ قَبْلُ
أو نسي ربّه الذي كان ذلك الكافر يدعوه ويتضرّع اليه من قبل التحوّل والإعطاء ، ومرّ كأن لم يدعه لم يتضرّع إليه ، ورجع إلى عبادة الأوثان
وَجَعَلَ
في حسبانه تلك الأوثان
لِلَّهِ أَنْداداً
وشركاء في العبارة ، أو أمثالا في القدرة ، أو أضدادا في الألوهية ، وهذا من أعجب الأعاجيب ، حيث إنّهم في حال الضرر يعتقدون توحيده وقدرته على جميع الأمور ، وفي حال الرّخاء يعتقدون كون الجمادات أمثالا له في القدرة ، وشركاء له في الألوهية . ومن الواضح أنّ ارتكاب هذين المتناقضين لا يكون إلّا بهوى النفس واتّباع الشهوة ، ليضل بنفسه عن سبيل اللّه
لِيُضِلَّ
الناس أيضا
عَنْ سَبِيلِهِ
إلى قربه ، وإلى كلّ خير وهو التوحيد .
ثمّ أمر سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله بتهديدهم بقوله :
قُلْ
يا محمّد لهذا الكافر :
تَمَتَّعْ
وانتفع من نعم الدنيا
بِكُفْرِكَ
الذي تخيّلته وسيلة إلى نيل تلك النّعم والانتفاع بها تمتّعا وانتفاعا
قَلِيلًا
أو زمانا يسيرا ، ولكن لا تفرح بذلك
إِنَّكَ
في الآخرة
مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
وملازمها ، ومن الواضح أنّ لذة تمتّعك في تمام عمر الدنيا لا يعدّ في جنب عذاب الآخرة بشيء .
عن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن هذه الآية فقال عليه السّلام : « نزلت في أبي الفصيل ، إنّه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عنده ساحرا ، فكان إذا مسّه الضرر ، يعني السّقم
دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ
يعني تائبا إليه ، من قوله في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما يقول :
ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً
يعني العافية
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ
يعني