تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
تحمله الريح ، فأخذها وقتل ملكها ، وأخذ بنتا اسمها جرادة من أحسن النساء وجها ، فاصطفاها لنفسه ، وأسلمت فأحبّها ، وكانت تبكي أبدا على أبيها ، فأمر سليمان الشياطين فمثلوا لها صورة أبيها ، فكسوها مثل كسوة أبيها ، وكانت تذهب إلى تلك الصورة بكرة وعشيا مع جواريها تسجد لها ، فأخبر آصف سليمان بذلك ، فكسر الصورة ، وعاقب المرأة ، ثمّ خرج إلى فلاة من الأرض ، وفرش الرماد وجلس عليه تائبا إلى اللّه . وكانت له امّ ولد يقال لها أمينة ، إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمه عندها ، وكان ملكه في خاتمه ، فوضعه عندها يوما ، فأتاها الشيطان صاحب البحر على صورة سليمان ، وقال : يا أمينة ، خاتمي . فتختّم به وجلس على كرسي سليمان ، فأتى عليه الطير والجنّ والإنس . وتغيّرت هيئة سليمان ، فأتى أمينة لطلب الخاتم . فأنكرته وطردته ، فعرف أنّ الخطيئة قد أدركته ، فكان يدور على البيوت يتكفّف ، وإذا قال : أنا سليمان ، حثوا التراب عليه وسبّوه ، ثمّ أخذ يخدم السمّاكين ، ينقل لهم فيعطونه كلّ يوم سمكتين ، فمكث عليه بهذه الحالة أربعين يوما عدد ما عبد الوثن في بيته ، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان ، وسأل آصف نساء سليمان ، فقلن : ما يدع امرأة منّا في دمها ، ولا يغتسل من جنابة . وقيل : نفذ حكمه في كلّ شيء إلّا فيهنّ . ثمّ طار الشيطان ، وقذف الخاتم في البحر ، فابتلعته سمكة ، ووقعت السمكة في يد سليمان ، فشقّ بطنها ، فإذا هو بالخاتم ، فتختّم به ، ووقع ساجدا للّه ، ورجع إليه ملكه ، وأخذ ذلك الشيطان ، وأدخله في صخرة ، وألقاها في البحر « 1 » . أقول : عليه يكون الجسد الملقى على كرسيّه ذلك الشيطان بتأويلات ، وهذه الرواية مردودة بوجوه كثيرة ، منها : أنّ الشياطين لا يتصوّرون بصور الأنبياء ، وأنّ سليمان لم يكن عاصيا حتى يعاقب عليه إلى غير ذلك . وقيل : إنّ فتنته كانت بسبب مرض ابتلاه اللّه بحيث صار كالجسد الملقى على كرسيّه لا قوة له ولا روح ، ثمّ أناب ورجع إلى الصحّة « 2 » .

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 35 إلى 40 ]

قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 35 ) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ ( 36 ) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ( 37 ) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ ( 38 ) هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 39 ) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 40 )
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 207 . ( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 209 .