ثمّ سأل اللّه تبارك وتعالى أهمّ حوائجه الأخروية حيث
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي
زلاتي التي لا تليق بمقام نبوّتي ، ثمّ أردفه بطلب ما فيه إصلاح أمور دنياه وقوة ترويجه للدين بقوله :
وَهَبْ لِي
يا ربّ ، وأعطني
مُلْكاً
وسلطانا عظيما
لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ
من خلقك
مِنْ بَعْدِي
ويكون أرفع من أن يناله غيري حتّى تكون لي معجزة دالة على صدق نبوتي ، ووسيلة لا نجاح مقاصدي من هداية خلقك ، ورفع الظلم وإشاعة العدل ، وترويج الدين
إِنَّكَ
لا تردّ دعائي ومسألتي لأنّك
أَنْتَ الْوَهَّابُ
وكثير العطاء لا نقص في خزائنك ، ولا بخل في ساحتك ، ولا مانع من جودك
فَسَخَّرْنا
وذللّنا
لَهُ الرِّيحَ
إجابة لدعائه بحيث
تَجْرِي بِأَمْرِهِ
حال كونها
رُخاءً
أو طيبة
حَيْثُ أَصابَ
سليمان وقصد من البلاد والأماكن البعيدة
وَ
سخّرنا
الشَّياطِينَ
له ، أعني
كُلَّ بَنَّاءٍ
منهم ، ليبني له ما أراد من الأبنية
وَ
كلّ
غَوَّاصٍ
يغوص في البحر فيخرج له اللاليء والمرجان والنفائس
وَآخَرِينَ
منهم
مُقَرَّنِينَ
ومقيّدين
فِي الْأَصْفادِ
والقيود .
ومن المعلوم أنّ لطافة أجسامهم لا تنافي صلابتها ، بحيث يقدرون على تحمّل الأشياء الثقيلة ، كحمل ملك بلاد قوم لوط ، ونرى الرياح تحمل الأحجار الثقيلة في الغاية وتخريب الأبنية العظيمة ، ولا ينافي تقييدهم بالقيود التي لا يقدرون على قطعها وكسرها .
وقيل : إنّ تقييدهم كناية عن منعهم من الشرور والفساد « 1 » بحيث لا يقدرون على شيء منها .
ثمّ قلنا له :
هذا
الملك العظيم
عَطاؤُنا
الخاصّ بك ، لم نعطه أحدا قبلك ، ولا نعطه أحدا بعدك
فَامْنُنْ
وأعط ما شئت لمن شئت
أَوْ أَمْسِكْ
وامنع ما شئت عمّن شئت حال كونك متلبّسا
بِغَيْرِ حِسابٍ
ومأخذة على شيء من عطائك ومنعك ، لتفويض التصّرف إليك على الإطلاق .
عن ابن عباس : أعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب ، لا حرج عليك فيما أعطيت ، وفيما أمسكت « 2 » .
قيل : ما أنعم اللّه على أحد نعمة إلّا كانت عليه تبعة إلّا سليمان فان أعطى اجر عليه ، وإن لم يعط لم يكن عليه تبعة « 3 » .
وقيل : إنّ قوله :
بِغَيْرِ حِسابٍ
متعلق بعطائنا ، والمعنى أنّ هذا العطاء لا يمكن حسابه لغاية
هامش
( 1 ) . تفسير أبي السعود 7 : 227 ، تفسير روح البيان 8 : 37 .
( 2 ) . تفسير الرازي 26 : 211 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 39 .