ثمّ أنّه تعالى بعد ذكر فتنة أبيه داود ، ذكر فتنته بقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا
وابتلينا
سُلَيْمانَ
وكانت فتنته على ما روته بعض العامة أنّه قال يوما : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة أو تسعين أو تسع وتسعين أو مائة ، تأتي كلّ واحدة بفارس يجاهد في سبيل اللّه ، ولم يقل : إن شاء اللّه . فقال له صاحبه ووزيره آصف بن برخيا : قل إن شاء اللّه ، فلم يقل ، فطاف عليهنّ تلك الليلة فلم تحمل إلّا امرأة واحدة جاءت بشقّ ولد له عين واحدة ، ويد واحدة ، ورجل واحدة ، فألقته القابلة على كرسيّه « 1 » ، وهو قوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ
وسريره الذي كان يقعد عليه
جَسَداً .
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال : لو قال إن شاء اللّه لجاهدوا في سبيل اللّه فرسانا أجمعون « 2 » .
وروي أنّه نسي أن يقولها لينفذ مراد اللّه تعالى « 3 » .
وفي رواية أخرى : أنّ سليمان ولد له ابن ، فاجتمعت الشياطين على قتله ، وذلك أنّهم كان يقدّرون في أنفسهم أنّهم يستريحون ممّا هم فيه من تسخير سليمان إياهم على التكاليف الشاقّة ، فعلم سليمان بذلك ، فأمر السّحاب بحمله ، وكانت الريح تعطيه غذاءه ، وربّي فيه خوفا من مضرّة الشياطين ، فابتلاه اللّه لأجل خوفه هذا وعدم توكّله في أمر ابنه على ربّه بموت ابنه حيث مات في السّحاب ، والقي ميتا على كرسيّه » « 4 » .
وقريب منه ما عن الصادق عليه السّلام ، فانّه قال : « إنّ الجنّ والشياطين لمّا ولد لسليمان ابن قال بعضهم لبعض : إن عاش له له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء ، فأشفق منهم عليه ، فاسترضعه في المزن - وهو السّحاب - فلم يشعر إلّا وقد وضع على كرسيه ميتا ، تنبيها على أنّ الحذر لا ينفع من القدر ، وإنّما عوتب على خوفه من الشياطين » « 5 » .
قيل : لمّا القي ابنه الميت على كرسيه جزع سليمان عليه ، إذ لم يكن له إلّا ابن واحد ، فدخل عليه ملكان ، فقال أحدهما : إنّ هذا مشى في زرعي فأفسده . فقال له سليمان : لم مشيت في زرعه ؟ قال : لأنّ هذا الرجل زرع في طريق الناس ، فلم أجد مسلكا غير ذلك . فقال سليمان : لم زرعت في طريق الناس . أما علمت أنّ الناس لا بدّ لهم من طريق يمشون فيه ؟ فقال لسليمان : صدقت . لم ولدت على طريق الموت ، أما علمت أنّ ممرّ الخلق على الموت ، ثمّ غابا ، فاستغفر سليمان « 6 »
ثُمَّ أَنابَ
ورجع إلى اللّه تعالى .
وقيل : إنّ ابتلاءه كان سبب ملكه ، وذلك أنّ سليمان بلغه خبر مدينة في البحر ، فخرج إليها بجنوده
هامش
( 1 و 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 32 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 8 : 32 .
( 5 ) . مجمع البيان 8 : 741 ، تفسير الصافي 4 : 299 .
( 6 ) . تفسير روح البيان 8 : 32 .