ثمّ لمّا بيّن سبحانه العلوم الكثيرة في القرآن من المعارف وأدلّة التوحيد والمعاد ، وخصائص الأنبياء ، وتفضلّاته عليهم ، وقصصهم ، بيّن فضل القرآن ، وكونه نازلا منه ، لدلالة ما فيه عليه بقوله :
كِتابٌ
قيل : إنّ التقدير هذا القرآن « 1 » كتاب
أَنْزَلْناهُ
بتوسّط جبرئيل
إِلَيْكَ
يا محمّد
مُبارَكٌ
وكثير الخير والنفع الديني والدنيوي ، لمن آمن به وصدّقه
لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
ويتفكّروا فيها بالفكر السليم عن التعصّب والعناد ، فيعرفوا ما فيها من المطالب العالية واللطائف الفائقة والبيانات الرائقة ، فيومنوا به
وَلِيَتَذَكَّرَ
ويتّعظ بمواعظه ويعتبر بما فيه
أُولُوا الْأَلْبابِ
وأصحاب العقول السليمة عن شوائب الأوهام ، وإنّما خصّ سبحانه الاتّعاظ به والعمل بما فيه باولي الألباب ، لتوقّفه على العقل الغالب على الأهواء الزائغة والشهوات المردية .
ذكر بعض أحوال داود عليه السّلام
ثمّ عاد سبحانه تعالى بعد الاستدلال على المعاد والرسالة إلى ذكر أعظم تفضلّاته على داود عليه السّلام بقوله تعالى :
وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ
وأنعمنا عليه بذلك الولد الذي كان خليفة له ووارث نبوته وسلطنته .
روي أنّ داود عاش مائة سنة ، ومات يوم السبت ، وكان له غرفة ومحراب يصعد فيه وينزل ، وكان يوم السبت في محرابه إذ جاءه ملك الموت وقال : جئتك لأقبض روحك فقال : دعني حتّى أنزل وارتقي . فقال : مالي إلى ذلك سبيل ، نفدت الأيام والشهور والسنون والآثار والأرزاق ، فما أنت بمؤثر بعدها ، فسجد داود على مرقاة من الدّرج ، فقبض نفسه على تلك الحالة ، وأوصى لابنه سليمان بالخلافة « 2 » .
ثمّ مدح سبحانه سليمان بقوله :
نِعْمَ الْعَبْدُ
سليمان
إِنَّهُ
كأبيه
أَوَّابٌ
ورجّاع إلى اللّه في جميع الأحوال في النّعمة بالشكر ،
وفي المحنة بالصبر والتضرّع ، واذكر يا محمد
إِذْ عُرِضَ
وأظهر
عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ
ووقت العصر الخيول
الصَّافِناتُ
والقائمات على قوائم ثلاث مع تثنية الرابعة أو وضعها على طرف السّنبك و
الْجِيادُ
والسريعات في العدو .
وعن ابن عباس : الجياد الخيل السوابق ، وإذا جرت كانت سراعا خفافا في جريها « 3 » ، والصفتان من أحمد صفات الخيل .
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 25 .
( 2 ) . تفسير روح البيان 8 : 26 .
( 3 ) . تفسير روح البيان 8 : 27 .