ثمّ لمّا حكى سبحانه شدّة إنكار المشركين للحشر حتّى بلغوا في إنكارهم إلى أن استهزءوا بأخبار النبي صلّى اللّه عليه وآله به ، شرع في الاستدلال على لزوم الحشر بقوله :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما
خلقا
باطِلًا
وعبثا بلا حكمة فيه
ذلِكَ
الخلق الباطل والعبث
ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ
وهلاك
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ
عذاب
النَّارِ
لكفرهم وإنكارهم الحشر ، بل إنّما كان خلق العالم عن حكمة بالغة ، وهي تكميل الاستعدادات وفعليّتها ، فالنفوس الزكية بالمعارف والعلم والعمل يرتقون إلى مدارج كمال الانسانية والسعادة ، والنفوس الخبيثة ينحطّون إلى مهاوي دركات الحيوانية والشقاوة ، ومن المعلوم أنّه لا بدّ لكلّ من الكمال والنقص والارتقاء والانحطاط أثر ونتيجة ، قابل لأن يصير منظورا للعقلاء ، ومتعلقا لهم ، ولو لم يكن عالم آخر لاستوى الناقص والكامل ، والشقي والسعيد ،
وهذا في غاية القبح ، كما أشار إليه سبحانه بقوله :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ
بالكفر والمعاصي ، لا واللّه لا نجعلهم سواء ، لكونه خلاف العدل ، واللّه الحكيم منزّه عنه
أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ
من ربّهم وعذابه بالعمل بالطاعات واجتناب السيئات
كَالْفُجَّارِ
وأهل الفسوق والطغيان ، حاشا لا يجوز التسوية بينهما على اللّه لكونه قبيحا في الغاية ، فلا بدّ من عالم آخر يثاب فيه المؤمن والمتقي بأفضل الثواب ، ويجازى فيه المفسد والفاجر بأسوأ الجزاء ، ويرى كلّ منهم نتيجة أعمالهم .
روي أنّ كفّار قريش قالوا للمؤمنين : إنّا نعطى في الآخرة من الخير ما تعطون ، بل أكثر ، فردّهم اللّه بقوله :
أَمْ نَجْعَلُ
إلى آخره « 1 » .
أقول : ويمكن كون قولهم هذا على سبيل الاستهزاء ، أو على تقدير وقوع الآخر .
عن الصادق عليه السّلام قال : « لا ينبغي لأهل الحقّ أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل ، لأن اللّه لم يجعل عنده أهل الحقّ بمنزلة أهل الباطل ، ألم يعرفوا وجه قول اللّه في كتابه إذ يقول :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا
إلى آخره ؟ ! » « 2 » .
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 29 إلى 33 ]
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 29 ) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 30 ) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ ( 31 ) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 8 : 24 .
( 2 ) . الكافي 8 : 12 / 1 ، تفسير الصافي 4 : 297 .