تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
رجوع إلى السكون « 1 » . وفي الآيتين تسلية قلب النبي صلّى اللّه عليه وآله ، لئلا يحزن من تكذيبهم وعدم إيمانهم بأنّ قومه جند قليل من الأحزاب الذين كذبوا الرسل ، فاستأصلهم اللّه بالعذاب ، مع كونهم في غاية الكثرة والشّوكة والقوّة ، فكيف بقومه الذين هم ضعفاء قليلون ، وتهديد لمكذّبيه ومعارضيه
وَ
مع ذلك
قالُوا
استهزاء بالرسول حين سمعوا خبر تأخير العذاب إلى الآخرة :
رَبَّنا
وإلهنا
عَجِّلْ لَنا
بلطفك
قِطَّنا
ونصيبنا من العذاب الذي وعدنا محمّد
قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ
والنفخ في الصّور ، ولا تؤخّره إليه .

[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 17 إلى 20 ]

اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 ) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ ( 19 ) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) ولمّا كان في قولهم هذا زيادة السخرية والاستهزاء به ، « 2 » بالغ سبحانه في تسلية النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بقوله : و
اصْبِرْ
يا محمد
عَلى ما يَقُولُونَ
من الاستهزاء والتكذيب ، وطب نفسا بما فضّلناك على جميع الرسل من الكتاب والحكمة والسّلطنة في الملك والملكوت وجوامع الكلم وفصل الخطاب
وَاذْكُرْ
لتسلية قلبك ما أعطيناه
عَبْدَنا
المخلص لنا ، أعني
داوُدَ
بن ايشا
ذَا الْأَيْدِ
والقوة في البدن والدين ، ومع ذلك
إِنَّهُ أَوَّابٌ
ورجّاع إلى اللّه بالتضرّع والتوبة ، والتسبيح والتقديس ، ولذا
إِنَّا
بقدرتنا
سَخَّرْنَا
وذللّنا
الْجِبالَ
له يسيرون
مَعَهُ
وتبعا له حال كونهنّ
يُسَبِّحْنَ
للّه حالا بعد حال كرامة له
بِالْعَشِيِّ
وآخر النهار
وَالْإِشْراقِ
أوّل النهار ،
وَ
سخّرنا
الطَّيْرَ
بأنواعها حال كونها
مَحْشُورَةً
ومجموعة إليه من كلّ جانب ، ثمّ
كُلٌّ
من الجبال والطير حال تسبيح داود عليه السّلام
لَهُ أَوَّابٌ
ورجّاع بالتسبيح والتقديس . عن ابن عباس : كان داود عليه السّلام إذا سبّح جاوبته الجبال بالتسبيح ، واجتمعت إليه الطير فسبّحت ، وذلك حشرها « 3 » . وقيل : إنّ ضمير ( له ) راجع إلى اللّه ، والمعنى : أنّ داود والجبال والطير للّه أواب ومسبّح « 4 » . روي أنّ اللّه تعالى لم يعط أحدا من خلقه ما أعطى داود من حسن الصوت ، فلمّا وصل إلى الجبال ألحان داود تحرّكت من لذّة السّماع ، فوافقته في الذّكر والتسبيح ، ولما سمعت الطيور نغماته صفرت
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 26 : 183 . ( 2 ) . زاد في النسخة : ثمّ . ( 3 و 4 ) . تفسير الرازي 26 : 186 ، تفسير روح البيان 8 : 13 .