بنزول الذكر منه ، لكوننا أكبر « 1 » سنا ، وأكثر سنا ، وأكثر مالا وأعوانا ، وأعظم شأنا ، وأبسط يدا وأنفذ قولا من محمد الذي لا مال له ولا ولد ولا أعوان ولا رياسة ، وكما فضّلنا اللّه عليه بتلك النّعم الظاهرة ، كان عليه أن يفضّلنا عليه بإنزال الوحي والكتاب ومنصب الرسالة ، ومع فرض كونه مساويا لنا فترجيحه علينا بتلك الكرامات ترجيح بغير مرجّح ، ومن الواضح أنّ هذا الاعتراض ليس إلّا من جهة عدم التأمّل في جهات إعجاز القرآن الموجب لليقين بكونه كلام اللّه الخالق لكلّ شيء ، وليس ممّا اختلقه محمّد صلّى اللّه عليه وآله من قبل نفسه ، وليس ترك تأمّلهم فيه من جهة قطعهم بأنّه كلام البشر
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
وترديد
مِنْ ذِكْرِي
وإعجاز كتابي ، لا في نبوة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، ولو تأمّلوا فيه علموا بأنّه كتابي ، ومحمّد رسولي ، ومع الشكّ يجب عليهم التأمّل والتفكّر بحكم العقل
بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا
ولم يطعموا بعد
عَذابِ
فإذا ذاقوا وطعموا طعمه ، علموا أنّ القرآن ذكري ، ومحمدا رسولي ، ولمّا كانوا في شكّ ولم يذوقوا العذاب على ترك التدبّر ، كانوا مذبذبين بين الأوهام ، تارة يقولون إنّه سحر ، وأخرى شعر ، وثالثة إنّه كهانة .
[ سورة ص ( 38 ) : الآيات 9 إلى 10 ]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ( 9 ) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ ( 10 )
ثمّ ردّهم سبحانه بأنّ منصب النبوة برحمة اللّه واختياره وإعطائه بيده بقوله :
أَمْ عِنْدَهُمْ
وبيدهم
خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ
حتّى يعطوها من شاءوا ، ويمنعوها عمّن شاءوا ، ويحكموا فيها بآرائهم ، فيختاروا للنبوة بعض زعمائهم ويمنعوك عنها ، ليس الأمر كذلك ، فانّ النبوة عطية من اللّه ، ودرجة عالية لا يقدر على إعطائها إلّا من لا نهاية لقدرته ، ولا غاية لجوده ، وهو اللّه العزيز الوهّاب ، فانّه الغالب الذي لا يغالب ،
والوهّاب الذي يهب ما يشاء لمن يشاء
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
حتّى يكون لهم التصرّف فيهما وفيما بينهما ، كيف يشاءون فينصبون أحدا للنبوة ، ويعزلون منها أحدا ، وينزلون من السماء ملكا بالوحي أو الكتاب على ما يشاءون ؟ ! كلا ليس لهم ذلك ، فإن كان لهم ذلك
فَلْيَرْتَقُوا
وليصعدوا
فِي الْأَسْبابِ
والمعارج التي يتوصّل بها إلى العرش حتّى يجلسوا عليه ، ويدبّروا أمر العالم ، وينزلوا الوحي على من يرونه أهلا له . وفيه نهاية التهكّم ، فإذا لم يكن لهم وفي تصرّفهم ملك السماوات والأرض وما بينهما والسلطنة فيهما ، لا يكون بيدهم خزائن الرحمة ، وليس لهم إنزال رحمة أو منعها ، ولا نصب أحد ولا عزله .
هامش
( 1 ) . في النسخة : أكثر .