ثمّ أنّه تعالى بعد إبطال هذا القول أبطل قولهم بأنّ الزوجة تصير في حكم الامّ بالظّهار بقوله :
وَما جَعَلَ
اللّه تكوينا أو تشريعا نساءكم اللاتي يكنّ
أَزْواجَكُمُ
وحلائلكم
اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ
وتقولون لهنّ : أنتنّ علينا كظهور امّهاتنا
أُمَّهاتِكُمْ
حقيقة أو حكما ، أمّا حقيقة فبالبداهة ، وأما حكما فلعدم الملاك ، فلا وجه لحسبانهنّ مطلّقات ، كما تخيلهنّ العرب في الجاهلية مطلقات ، ثمّ أبطل قولهم بأنّ من قال لأحد : أنت ابني يكون ابنا له بقوله :
وَما جَعَلَ
اللّه
أَدْعِياءَكُمْ
والذين تبنّيتموهم ودعوتموهم باسم الابن
أَبْناءَكُمْ
الحقيقة أو الحكمية ، كما جعلتهم العرب في الجاهلية أبناء للداعي والمتبنّي ، وحرّموا نكاح أزواجهم عليه ، وورثوهم أمواله ، ولذا كانت تقول لزيد بن حارثة الكلبي : عتيق رسول اللّه ابن محمد
ذلِكُمْ
المذكور من أمومة المظاهرة وبنوّة الدعي
قَوْلُكُمْ
الذي تقولونه
بِأَفْواهِكُمْ
وألسنتكم ، لا توافقه قلوبكم وعقولكم ، وكذب اخترعتموه بأهوائكم
وَاللَّهُ
المطّلع على حقائق الأشياء وواقعيات الأمور
يَقُولُ الْحَقَّ
والكلام الصّدق المطابق للواقع
وَهُوَ
بلطفه
يَهْدِي
عباده
السَّبِيلَ
الحقّ في جميع الأمور ، فدعوا أقوالكم وخذوا بقوله .
ثمّ هدى الناس وعلّمهم الكلام الحقّ بقوله :
ادْعُوهُمْ
وانسبوهم
لِآبائِهِمْ
الذين ولدوهم ، فانّ الدعاء لآبائهم
هُوَ أَقْسَطُ
وأعدل وأقرب للصواب
عِنْدَ اللَّهِ
وفي حكمه من دعائهم لغير آبائهم ، وأصدق من نسبتهم إلى من تبنّاهم
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا
ولم تعرفوا
آباءَهُمْ
حتى تنسبوهم إليهم
فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ
إذا كانوا مسلمين
وَمَوالِيكُمْ
وعتقاؤكم إذا أعتقتموهم ، أو أحبّاؤكم ، فقولوا لهم : يا إخواننا ، أو يا أولياءنا
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
عند اللّه
جُناحٌ
وإثم
فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ
وعدلتم عن طريق الصواب فيه بالسّهو أو بسبق اللّسان
وَلكِنْ
الجناح
ما تَعَمَّدَتْ
وقصدت
قُلُوبُكُمْ
بعد النهي ، وفي الحديث : « من دعي لغير أبيه ، وهو يعلم أنّه غير أبيه ، فالجنّة عليه حرام » « 1 »
وَكانَ اللَّهُ
مع التعمد أيضا
غَفُوراً
وستّار العصاة « 2 » التائبين
رَحِيماً
بالمؤمنين .
[ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 6 ]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 6 )
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 7 : 138 .
( 2 ) . في النسخة : العصيان .