ثمّ أنّه تعالى بعد ما نفى الأمومة عن المظاهرة ، والبنوّة عن الدعيّ ، أثبت الأبوة والأولوية في جميع الأمور بالمؤمنين لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
النَّبِيُّ أَوْلى
وأجدر
بِالْمُؤْمِنِينَ
في جميع الأمور الدينية والدنيوية
مِنْ أَنْفُسِهِمْ
لكونه أعلم بمصالحهم ومفاسدهم ، وأشفق عليهم منها ، فيجب أن يبذولها دونه ، ويتّبعوه في كلّ ما يدعوهم إليه ، ولا يدعوهم إلّا إلى ما فيه نجاتهم وفلاحهم ورشدهم وفوزهم ، كما جاء في الحديث « مثلي ومثلكم ، كمثل رجل أوقد نارا ، فجعل الفراش والجنادب « 1 » يقعن فيها ، وهو يذبّ عنها ، وأنا آخذ بحجزكم « 2 » عن النار ، وأنتم تفلتون من يدي ، وتطلبون الوقوع في النار بترك ما أمرت به ، وارتكاب ما نهيت عنه » « 3 » .
وفي الحديث : « ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة من أنفسهم ومن آبائهم » « 4 » .
وفي آخر : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين » « 5 »
عن الصادق عليه السّلام : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه ، وعليّ أولى به من بعدي » .
فقيل له : ما معنى ذلك ؟ فقال : « قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : من ترك دينا أو ضياعا فعليّ ، ومن ترك مالا فلورثته .
فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال ، وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة ، والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما ألزمهم هذا ، فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم ، وما كان سبب إسلام عامة اليهود إلّا من بعد هذا القول من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وإنّهم آمنوا على أنفسهم وعيالاتهم » « 6 » .
عن بعض العامة : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لمّا أراد غزوة تبوك ، فأمر الناس بالخروج ، فقال ناس : نشاور آباءنا وامّهاتنا ، فنزلت الآية « 7 » .
ورووا عنه صلّى اللّه عليه وآله أنّه قال لعلي عليه السّلام : « أنا وأنت أبوا هذه الامّة » « 8 » .
ثمّ أثبت أمومة المؤمنين لأزواجه صلّى اللّه عليه وآله بقوله :
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
وبمنزلة اللاتي ولدنهم في وجوب التعظيم ، وحرمة النّكاح دون النظر والخلوة والميراث ، فانهنّ في جميع ما ذكر بمنزلة الأجنبيات .
هامش
( 1 ) . الجنادب : جمع جندب - بفتح الدال وضمّها - نوع من الجراد .
( 2 ) . الحجز : جمع حجزة ، وهي موضع شدّ الإزار من الوسط ، وموضع التكّة من السراويل .
( 3 ) . تفسير روح البيان 7 : 138 .
( 4 ) . تفسير روح البيان 7 : 139 .
( 5 ) . تفسير روح البيان 7 : 139 .
( 6 ) . الكافي 1 : 335 / 6 ، تفسير الصافي 4 : 167 .
( 7 ) . تفسير روح البيان 7 : 138 .
( 8 ) . تفسير روح البيان 7 : 140 .