تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
العلم لتحدّث به الناس واطلبه لتعمل به ، وكن نفّاعا ولا تكن ضرّارا ، وكن بشّاشا ولا تكن عبوسا غضابا ، وإيّاك واللّجاجة ، ولا تمش في غير حاجة ، ولا تضحك من غير عجب ، ولا تعيّر المذنبين لعلّ اللّه يغفر خطاياهم بعد الندم ، وابك على خطيئتك ما دمت حيّا ، ولا تؤخّر عمل اليوم إلى الغد ، واجعل همّك في معادك ، ولا تخض في ما لا يعنيك ، وتدبّر الأمور في علانيتك ، ولا تذر الإحسان في قدرتك . فقال له موسى عليه السّلام : قد أبلغت في الوصيّة . إلى أن قال : فقال له الخضر : أوصني أنت يا موسى . فقال موسى عليه السّلام له : إيّاك والغضب إلّا في اللّه ، ولا تحبّ الدنيا ، فإنّها تخرجك من الإيمان إلى الكفر . فقال الخضر : قد أبلغت في الوصيّة ، الخبر « 1 » . أقول : في هذه القصّة فوائد من شرف العلم وحسن طلبه ، وتبعيّة العالم والتذلّل له وعدم المبادرة في الاعتراض عليه ، ومعرفة لطف اللّه بعباده ، ورعايته تعالى حقوقهم في ذريّتهم وأموالهم ، وحسن الاعتذار من المقصّر وقبول عذره ، ومداراة المعلّم مع المتعلّم ، إلى غير ذلك ممّا يعرفه المتأمّل فيها .

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 83 ]

وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) ثمّ ذكر سبحانه القصّة الثالثة التي سأل اليهود النبيّ صلّى اللّه عليه وآله عنها امتحانا لنبوّته بقوله :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ
الأكبر الذي ملك الدنيا بأسرها . واسمه إسكندر بن فيلقوس اليوناني
قُلْ
يا محمّد
سَأَتْلُوا
وأقرأ من القرآن
عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً
وخبرا ، أو المعنى سأتلو ما في شأنه من قبل اللّه قرآنا عليكم . قيل : كان بعد نمرود في عهد إبراهيم ، وعاش ألفا وستّمائة سنة « 2 » . وعن العيّاشي ، عن أمير المؤمنين عليه السّلام : « أنّ اسمه عيّاش ، اختاره اللّه وبعثه إلى قرن من قرون الأولى في ناحية المغرب ، وذلك بعد طوفان نوح » « 3 » . وعن ابن عبّاس : أنّه في زمان إبراهيم « 4 » . وعنه : أنّ إبراهيم كان بمكّة ، فأقبل إليها ذو القرنين ، فلمّا كان بالأبطح قيل له : في هذا البلد إبراهيم خليل الرحمن ، فقال ذو القرنين : ما كان ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها إبراهيم . فنزل ومشى إليه ، فسلّم عليه إبراهيم واعتنقه ، وهو أوّل من عانق بعد السّلام « 5 » . وقيل : إنّه إسكندر الرومي ، وكان وزيره وأستاذه أرسطاطاليس ، وكان بعد إسكندر إبراهيم بأكثر من
هامش
( 1 ) . تفسير روح البيان 5 : 287 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 5 : 290 . ( 3 ) . تفسير العياشي 3 : 112 / 2703 ، تفسير الصافي 3 : 260 . ( 4 ) . تفسير روح البيان 5 : 291 . ( 5 ) . تفسير روح البيان 5 : 291 ، وفيه : عند السّلام .