تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
فَأَرادَ رَبُّكَ
بأمره بتسوية جدار الغلامين
أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما
ويصلا إلى حدّ كمالهما من البلوغ وكمال العقل وحسن التدبير في المال
وَيَسْتَخْرِجا
من تحت الجدار
كَنزَهُما
بسهولة ، ولولا إقامته لخرب وخرج الكنز وظهر قبل اقتدارهما عليه وضاع بالكليّة ، وإنّما كانت تلك الإرادة منه تعالى
رَحْمَةً
عظيمة لهما
مِنْ رَبِّكَ
ولذا فعلت ما رأيت
وَما فَعَلْتُهُ
أو ما فعلت جميع ما رأيت من خرق السفينة وغيره
عَنْ أَمْرِي
ورأيي ، بل فعلته بأمر اللّه تعالى ووحيه
ذلِكَ
المذكور
تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً .
قيل : إنّ الخضر في تأويل خرق السفينة نسب إرادة التعييب إلى نفسه ، لكون التعييب ظاهر القبح ، وفي تأويل القتل إلى ضمير « نا » لكون الكفر ممّا يجب أن يخشاه كلّ أحد ، وفي تأويل إقامة الجدار إلى الربّ لكون بلوغ الأشدّ ليس إلّا بإرادته تعالى وحده « 1 » . قيل : لمّا أسند الخضر الإرادة إلى نفسه أوّلا ، ألهم بأنّه من أنت حتى تكون لك الإرادة ؟ ثمّ جمع في الثانية حيث قال : فأردنا ، فألهم بأنّه من أنت وموسى حتى تكون لكما الإرادة ؟ فخصّ في الثالثة الإرادة باللّه « 2 » . وقيل : إنّه في خرق السفينة ذكر العيب فأضافه إلى نفسه ، وفي قتل الغلام عبّر عن نفسه بضمير الجمع تنبيها على عظمته في العلم والحكمة ، ولذا لم يقدم على القتل إلّا لحكمة بالغة ، ولمّا ذكر في الغلامين رعاية صلاحهما أضاف الإرادة إلى اللّه تنبيها على أنّ المراعي لصلاح الخلق هو اللّه « 3 » . وعن الصادق عليه السّلام في قوله :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
« 4 » : « نسب الإرادة إلى نفسه لعلّة ذكر العيب » « 5 » إلى أن قال : « وفي قوله :
فَخَشِينا
إنّما اشترك في الأنانيّة ، لأنّه خشي واللّه لا يخشى ؛ لأنّه لا يفوته شيء ، ولا يمتنع عليه أمر أراده . وإنّما خشي الخضر من أن يحال بينه وبين ما أمر به ، فلا يدرك ثواب الإمضاء فيه ، ووقع في نفسه أنّ اللّه جعله سببا لرحمة أبوي الغلام ، فعمل فيه وسط الأمرين من البشرية مثل ما كان عمل في موسى عليه السّلام لأنّه صار في الوقت مخبرا ، وكليم اللّه مخبرا » « 6 » . أقول : لمّا كان فهم الرواية في غاية الإشكال تركت نقل بقيّتها . روي أنّ موسى عليه السّلام لمّا أراد أن يفارق الخضر قال له الخضر : لو صبرت لأتيت ألف عجيبة ، كلّ عجيبة أعجب ممّا رأيت . فبكى موسى عليه السّلام على فراقه وقال له : أوصني يا نبيّ اللّه . قال : لا تطلب
هامش
( 1 و 2 ) . تفسير روح البيان 5 : 287 . ( 3 ) . تفسير الرازي 21 : 162 . ( 4 ) . الكهف : 18 / 79 . ( 5 ) . في علل الشرائع : التعييب . ( 6 ) . علل الشرائع : 61 / 1 ، تفسير الصافي 3 : 257 .