تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
لا يكون عقيب موتهم حياة « 1 » . وأيضا لا بدّ من كونه شاعرا لعبادة عابديه عالما بأحوالهم ، وهؤلاء الأصنام لا يعلمون بأحوال أنفسهم
وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
وفي أيّ وقت يحيون ويحشرون . وإنّما ذكر سبحانه عدم شعورهم بوقت بعثهم مع أنّهم لا يشعرون شيئا ، للاشعار بأنّهم يحشرون لازدياد حسرة عابديهم على عبادتهم . عن ابن عبّاس : أنّ اللّه يبعث الأصنام ولها أرواح ومعها شياطينها ، فيؤمر بها إلى النار « 2 » . أقول : إلقاؤها في النّار ليس لتعذيبها ، لأنّه لا معصية لها ، بل لتعذيب عابديها . قيل : إنّ اللّه وصف الأصنام بالموت وعدم الشعور مع أنّ الجماد لا يوصف بهما ؛ لأنّ المشركين وصفوهم بالألوهية « 3 » ، فحسن أن يقال : ليس الأمر كذلك ، بل هي أموات لا شعور لها . وقيل : إنّ المراد أنّهم لا يشعرون أنّ عبدتهم أيّان يبعثون « 4 » ، فكيف يكون لهم شعور بوقت جزائهم على عبادتهم ؟ !

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 22 إلى 23 ]

إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 22 ) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ( 23 ) ثمّ أنّه تعالى بعد إثبات التوحيد وتزييف عبادة الأصنام ، أكّد توحيده في الألوهية بقوله :
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
لا إله إلّا هو بالبراهين الساطعة والحجج الباهرة ، وإذا كان الأمر كذلك
فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
بوحدانية اللّه مع كمال وضوحها ، إنّما هو لكونهم لا يؤمنون
بِالْآخِرَةِ
ولا يرجون ثواب اللّه على التوحيد ، ولا يخافون عقابه على الشرك ، ولذا
قُلُوبُهُمْ
تابعة لهوى أنفسهم ، مصرّة على تقليد أسلافهم ونصرة أباطيلهم
مُنْكِرَةٌ
لكلّ حقّ يخالفه
وَهُمْ
مع ذلك
مُسْتَكْبِرُونَ
عن قبول قول الغير ، ومترفّعون عن طاعة الرسول صلّى اللّه عليه وآله . ثمّ هدّدهم سبحانه بقوله :
لا جَرَمَ
وحقا
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ
ويخفون من الكيد برسوله صلّى اللّه عليه وآله ، ويضمرون من التصميم على إهانة أوليائه
وَما يُعْلِنُونَ
ويظهرون من تحزيب الأحزاب وإلقاء الشّبهات في القلوب وغيرهما ، فيجازيهم عليها أسوأ الجزاء
إِنَّهُ
تعالى
لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
ولا يريد لهم خيرا ، ولا يدفع عنهم شرا ، بل يكلهم إلى أنفسهم ، ليظهر خبث ذواتهم ، ويتناهى طغيانهم وكفرهم . عن الباقر عليه السّلام ، في تأويل الآية :
« لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
يعني الرجعة
قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
يعني
هامش
( 1 ) . تفسير الرازي 20 : 16 . ( 2 و 3 و 4 ) . تفسير الرازي 20 : 16 .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 571 | الشيخ محمد النهاوندي