تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
وقيل : إنّه استدلال مستقلّ على توحيده ، وليس متمّما للدليل السابق ؛ لأنّ المشركين لم يكونوا شاكّين في استناد الحوادث الأرضية من نزول الأمطار وإنبات النباتات إلى اللّه ، كما قال سبحانه :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
« 1 » وإنّما المقصود من ذكر هذا الدليل أنّ من هذا شأنه لا يجوز أن يتوهّم له شريك من الموجودات .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 13 ]

وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) ثمّ عاد سبحانه إلى الاستدلال بالآيات الأرضية بقوله :
وَما ذَرَأَ
وخلق
لَكُمْ فِي الْأَرْضِ
من الحيوانات والنباتات مسخرة لكم ، أو مسخّر للّه تعالى حال كونه
مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ
وأصنافه أو تراه مختلفا
إِنَّ فِي ذلِكَ
التسخير واللّه
لَآيَةً
ودلالة واضحة على توحيد المسخّر له
لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
ويلتفتون إلى ذلك بأدنى التفات ، ولا يغفلون عمّا علموا بالضرورة من العقل ، فانّا نرى في حبّة من العنب طبائع مختلفة ؛ لقشره طبيعة ، ولعجمه طبيعة ، وللحمه طبيعة ، ولمائه طبيعة ، بل نرى في ورقه من الورد ألوانا مختلفة مع كونها في غاية اللطافة وكون تأثير الأنجم والأفلاك والهواء والماء والشراب فيها واحدا ، والطبيعة الواحدة في المادة الواحدة لا تؤثر إلّا أثرا واحدا ، فنعلم أنّ المؤثّر في هذا الاختلاف ليس إلّا الفاعل القادر الحكيم المختار .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 14 ]

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) ثمّ استدلّ سبحانه على توحيده بعجائب البحر بقوله :
وَهُوَ
القادر
الَّذِي سَخَّرَ
لكم
الْبَحْرَ
وجعله تحت تصرّفكم ومحلّ انتفاعكم باصطيادكم منه السمك
لِتَأْكُلُوا مِنْهُ
باصطياده
لَحْماً طَرِيًّا
وعذبا لطيفا مع كون مائه مالحا زعاقا « 2 » ، وبالغوص فيه لأجل أن تغوصوا فيه
وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً
وزينة مثل اللؤلؤ والمرجان ، فتخيطونها « 3 » بالثياب ، ثمّ
تَلْبَسُونَها
فكأنها كانت زينة ولباسا ، ومحلّ انتفاعكم بالركوب وحمل الأمتعة
وَ
كذا
تَرَى الْفُلْكَ
والسفن
مَواخِرَ
وجاريات
فِيهِ
لتركبوها
وَلِتَبْتَغُوا
من رزق اللّه ، وتطلبوا
مِنْ فَضْلِهِ
وإنعامه بالتجارة وحمل الأمتعة إلى البلدان والقرى البعيدة
وَلَعَلَّكُمْ
تعرفون نعم اللّه و
تَشْكُرُونَ
أفضاله بالاعتراف بتوحيده والقيام بعبادته .
هامش
( 1 ) . العنكبوت : 29 / 63 . ( 2 ) . الزّعاق من الماء : المرّ الغليظ لا يطاق شربه . ( 3 ) . في النسخة : فتخوطونهما .
نفحات الرحمن في تفسير القرآن — صفحة 568 | الشيخ محمد النهاوندي